الرجوع

إلى أرواح شهداء "تيبحيرين"

الخميس

م ٢٠٢١/١٢/١٦ |

هـ ١٤٤٣/٠٥/١٢

في الواحد والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر تُوفي الأب جون بيير شوماخر، عن سن يناهز سبعة وتسعين عامًا، في دير "سيدة الأطلس" بمدينة "ميدلت" وسط المغرب، وهو أحد الناجين -إلى جانب ناجٍ آخَر هو "الأخ أميدي"- من مجزرة تيبحيرين، التي راح ضحيتها سبعة من الرهبان السيستيرسيِّين في مدينة المدية بمنطقة القبائل بالجزائر سنة 1996، خلال الحرب الأهلية الجزائرية الدموية.

يقع الدير في منطقة أمازيغية فقيرة، حيث قررت الأخوية الدينية أن تعيش فقيرة بين الفقراء، وحيث كرس الرهبان حياتهم للعبادة والتأمل. ومع أن الأخوية تنصح رهبانها أن ينذروا حياتهم للتأمل، وأن يبقى اختلاطهم بمحيطهم في حدوده الدنيا، فإنهم في ميدلت قرروا أن لا تكون لهم حدود مع جيرانهم. فشكلوا جسرًا للصداقة والأخوَّة بين المسلمين والمسيحيين، الذين يتوافدون على الدير من أجل الخلوة الروحية. وأسسوا لتقليد حقيقي من العيش المشترك، وتقاسموا أفراح المسلمين وأحزانهم كأنهم عائلة واحدة، وتشاركوا في رحابة وجبات الطعام، خصوصًا خلال شهر رمضان. وبعد الصلاة يجتمع الرهبان لاحتساء الشاي مع عمالهم المسلمين، في لقاء كان ينتظره الأب جون بيير بفارغ الصبر. في تيبحيرين لم يطلب منهم السكان المسلمون إسكات أجراس الدير، قناعة منهم بأنها دعوة إلى عبادة الله. وقد طلب جون بيير من العمال المسلمين في ميدلت أن يبنوا لأنفسهم مسجدًا صغيرًا داخل الدير، بدل الذهاب إلى الصلاة خارجه.

عاشوا في الجزائر -كما في المغرب- عدة تجارب روحية مشتركة مع متصوفين مسلمين. يؤكد الأب جون بيير أن ما كانوا يبحثون عنه معًا هو: "كيفية التقرب إلى الله وكسب مرضاته". لذا: "فنحن في المغرب، نعيش الاتحاد في الصلاة، عندما نستيقظ ليلًا للصلاة، في نفس الوقت الذي يوقظ فيه المؤذن جيراننا المسلمين". يقول الأب: "أصلِّي بِاسم هؤلاء الذين أعيش بينهم والذين أحبهم، ولأني أصبحت جزءًا من المسيح بإيماني به، فإني أشعر بأن المسيح يسوع أصبح مغربيًّا من خلالي، وبأنه داخلي يصلِّي من أجل إخوانه المغاربة".

ظَل الأب جون بيير يؤكد أن نجاته من مذبحة تيبحيرين كانت دعوة من الله، إلى تقديم شهادة على امتزاج دماء المسيحيين مع دماء المسلمين. لذا، كان يرفض أن يجري الحديث في مأساة الرهبان بمعزل عن مأساة شعب بكامله، لأن الآلاف من الجزائريين/ات الأبرياء، ماتوا بنفس البشاعة التي قُتل فيها الإخوة الرهبان.

في خضم الصراع بين الجيش ومسلحي الجماعة الإسلامية، التزم الرهبان حالة الحياد، وظلُّوا أوفياء لرسالتهم الروحية والإنسانية، ويعالجون جرحى الجماعات المتمردة. كانوا بين مطرقة الجيش الذي طلب منهم التوقفَ عن مساعدة المسلحين ومغادرةَ البلاد، وسندان الجماعات المسلحة التي اتهمتهم بالتجسس والعمالة للغرب والتبشير بالمسيحية. ورغم كل التحذيرات، ورغم إمكانيتهم على المغادرة بصفتهم مواطنين فرنسيين/ات، قرر الرهبان البقاء مع من يسمونهم "إخوانهم المسلمين" لـ"خدمة الرب"، مؤكدين أنه: "لا يمكنهم أن يتركوا أخًا عندما يكون في الشدائد".

كتب "الأخ كريستين شارجي" (أحد شهداء تيبحيرين) في وصيته، التي كتبها وهو يستشرف موته اغتيالًا: "إذا مُتُّ فلتَعلموا أن حياتي مُنحت لله ولهذا للوطن، ولتتذكروا موت الكثيرين الذين بقوا قابعين في النسيان واللامبالاة، إذ إن حياتي لا قيمة لها أكثر أو أقل من حياة الآخرين". أيضًا أكد رفضه للاحتقار والوصم الذي يمكن أن يتعرض له الإسلام أو المسلمون في عمومهم، بسبب تصرفات الإسلاميين.

مات الرهبان السبعة أوفياء لالتزامهم الروحي، المبني على تعاليم الإنجيل والكنيسة تجاه إخوانهم المسلمين، إذ إن المحبة والتضحية هما الرسالتان اللتان يمكن أن تنقذا العالم، وتُعيدا إليه رونقه الإنساني وألَقَه الروحي. لذا، كان الأب بيير يشبه الطريق الروحي للرهبان بزيت الزيتون، إذ يجري سحق حبات الزيتون لكي تُخرج زيتًا صافيًا، وغذاءً مقدَّسًا ومبارَكًا من الرب، والمعاناة مَثلُها كمَثل "المعصرة" التي تمتزج بنا وتُطهر قلوبنا. وعندما قبِل الرهبان أن يموتوا إلى جانب إخوانهم المسلمين، فإنهم قد قرروا في حقيقة الأمر أن يذهبوا إلى منتهى رسالة الإنجيل، ويجسِّدوها في أنفسهم ومن خلال موتهم. رفض الأب جون بيير أن يغادر المغرب، حتى حينما بدأ جسده يتهاوى تحت وطأة السنين، واختار أن يُدفن في ذلك البلد، في الأرض التي سكنها وسكَنَته. 

هناك في ميدلت، في قبره الذي تحيط به أشجار السَّرْو الباسقة، التي تُحْنِيها الرياح الباردة، أعتقد أن ثمة عبقًا وأريجًا يشهد على أعظم معجزة بين ظَهْرانَينا، وهي: "حُبُّ الله الذي يجعلك تَقبل أن تموت حبًّا وتعاطُفًا مع عيال الله وعباده". والله أعلم. 

 

جميع الحقوق محفوظة © 2022
تصميم وتطوير Born Interactive