الرجوع

الشهيدة الشاهدة شيرين وتابوت العهد

الإثنين

م ٢٠٢٢/٠٥/٢٣ |

هـ ١٤٤٣/١٠/٢٢

تابع الملايين مشدوهين/ات جنازة الصحافية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة في القدس، في يوم جمعةٍ عظيمة ومهيبة. المَشاهد لا تُصدَّق وكأنها من عالم آخر. منظر التابوت الصامد على أكتاف الشباب الفلسطيني أمام ضراوة الهراوات الإسرائيلية، سيظلّ راسخًا في الذاكرة، ناكِئًا جرحًا غائرًا في الجسد العربي، وهو جرح القضية الفلسطينية، وشاهدًا على بشاعة الاحتلال. إنه لَمشهد عجيب لِتابوت يصمد ويقاوم ويزأر كالأسد. 

في تلك الجمعة الحزينة، بات الجرحُ فرجةَ نورٍ جارف لم نره منذ عهد طويل. أمواج وأمواج من المحبة والحنان أحاطت بشيرين، منذ ارتفاعها شهيدة إلى أن وُوري جسدها التراب. وهذا الأمر ليس عجيبًا، فهي الشاهدة على معاناة الشعب الفلسطيني منذ عقود. لقد ألِفْنا صوتها الحنون الحزين، الصادق الهادئ، على الرغم من أن ما ترويه كان يدعو إلى الغضب والحنق. لقد تربينا على صوتها وكأنها فرد من أفراد العائلة. فكان فقدها أشدّ إيلامًا، فهي خلاصة تلك القيم النبيلة الصافية، التي تجعل العربي عربيًّا وأكثر إنسانية.

كالعديد من الناس، لم أكن أعلم أنها مسيحية. ولكن ما العجب في ذلك؟! أعجيبٌ أن نرى مسيحيةً على أرض المسيح؟ في هذه المناسبة، أطلب من العرب المسلمين/ات أن يقفوا وقفة إجلال واحترام ومحبة للمسيحية العربية. فبسبب هذه المسيحية نحن أفضل إسلامًا، لأنها ضمانة عزتنا وإنسانيتنا ووحدتنا. بقاء هذه القلة القليلة بيننا اليوم هو ما نفخر به بصفته بركة إلهية، وبصفته علامة على التعددية والتنوع داخل الهوية العربية والإسلامية. 

حضور شيرين الشفاف والفعّال من دون انفعالات ولا ادعاءات، هو اختصار لهوية الإنسان الرسالي، بل إنني أرى فيها رمزًا لأجمل ما يمثله المسيحي العربي. فهي لم تتحدث بالمسيحية، ولكن كانت تعيش عمليًّا تلك الروحانية، التي تلتحم بألم المتألمين/ات والمهمشين/ات والمضطهَدين/ات. إنها الشهيد الحي المتألم الذي يُقتل بسبب شهادته، لأن حضوره يزعج ويفضح، وحضوره يعطي الجريمةَ صورةً، والمظلومَ صوتًا يُسمع في أقاصي الأرض.

هذانِ "الجمال والجلال" يُعرِّيان قبح الاحتلال، الذي هو احتلال غاصب يخاف من الموتى والجثامين، ويرتعب لرؤية العلم الفلسطيني يرفرف في سماء القدس المحتلة. هو احتلال مدجج بالسلاح إلى الأذقان والأسنان، على صهوات خيل عملاقة متكبرة. هو منتهى العنجهية، وقلة الإنسانية، وفقدان التعاطف. ولكنه في الوقت نفسه، هو وهْمُ القوة ورعشة القاتل، وهو يرى أن القتيل لا يموت، ويرى سوء ما كسبت يداه، وانقلاب السحر على الساحر. 

إلى جانب الاحتلال، توجد جوقة الجهلة رافضي الترحّم على روح شيرين، وكأن شيرين في حاجة إلى رحمتهم. إنَّ فاقد الشيء لا يعطيه، بل إنهم هم الذين في حاجة إلى رحمة شرين، وحب شيرين، وعطف شيرين؛ لعلهم يتعلمون شيئًا من الإنسانية، وشيئًا من الشرف. قلة الأدب التي تُثار كل مرة يَرفع فيها الله إليه أحد الشهداء من قوم عيسى، لهِيَ من "خوارم المروءة" إنِ استعرنا من أفواه هؤلاء ذلك الهوس بتجنب تلك الخوارم (التي تَعيب فاعلَها). ولكن هذه المرة، يبدو أن شوكة هذا الفريق أخذت تَخفت. فمن بين صفوفه، بدأت ترتفع أصوات شعرت بالحرج، لظهورها وكأنها تصطف إلى جانب القاتل. فظهر مَن يبرر، وظهر من يدعي أن شيرين كانت مسلمة "خفية"، مثلما كان النجاشي مسلمًا "سرِّيًّا"! ولكنها ليست إلا علامات تدل على الفضيحة، التي تُسببها النظرة الإقصائية والاستعلائية تجاه القريب المختلف. حان الأوان للخروج من هذا الجدال الفارغ حول توزيع الرحمة الإلهية، جدال السَّدَنة (البَوَّابِين) المزعومين لمفاتيح لا يملكونها.

أمام صُوَر التخلف، برزت صور العزة التي ستُخلد للأبد، وهي: منها صورة الشباب المسلم والمسيحي الذي يحمي تابوت شيرين، والذي لم يسمح بِتركه أو بأن يلمس الأرض، على الرغم من ضراوة الضربات. الجموع التي أتت من بعيد متحدية الحواجز والعقبات، والمدن والقرى الفلسطينية التي احتضت جسد الشهيدة في طريقه إلى مثواه الأخير - إنه جمال الشعب الفلسطيني، في أبهى تجلياته وصوره.

هذه الجنازة تَعِدُ بالقيامة، وتذكِّر بالأساس، الذي هو وحدتنا وإنسانيتنا وصمودنا، أمام كل ما ينتقص من كرامة الإنسان. آمُل أن يكون تابوت شيرين تابوت عهد لأمةٍ تعيش التيه، حتى تدرك مجددًا رسالتها، وتستعيد بُوصلتها نحو الأرض الموعودة، ونحو قدس الأقداس، وكرامة الإنسان. مصير فلسطين أن تكون معيار الضمير العالمي، ومصير شيرين أن تكون شاهدة شهيدة على القضية، التي تجمع الأحرار جميعًا بمختلف مللهم وأديانهم، كما هي شاهدة على نفاق المنافقين، وجبن الجبناء، ووهم الواهمين.

السلام عليك يا شيرين، يا قاهرة الموت بالموت!

 

جميع الحقوق محفوظة © 2022
تصميم وتطوير Born Interactive