الرجوع

الصراط المستقيم أم الصراطات المستقيمة؟

الخميس

م ٢٠٢١/١٠/٠٧ |

هـ ١٤٤٣/٠٣/٠١

اِستخدم المفكر الإيراني البارز "عبد الكريم سُروش" مصطلح "الصراطات المستقيمة"، للتعبير عن نظريته المتعلّقة بالتعددية الدينية. له كتاب بهذا العنوان، وأيضًا تكرّرت العبارة في العديد من كتاباته. ومع تقديري لجهوده الفذّة في التجديد والنقد، ومحاولاته الجادّة للإجابة عن تحديات الحداثة وأسئلتها الملحّة، فإنني لا أوافقه على هذا المصطلح، وإن كنتُ من أنصار لاهوت التعدّدية الدينية، بوصفها أهم محاور الكلام الجديد. 

وجْهُ اعتراضي على هذا المصطلح أنه يوحي بالتعارض مع منطوق الآية الكريمة السادسة من سورة الفاتحة: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}. فالجمع في "الصراطات" قد يُفهم منه تجاوز المعنى الأول في الآية، الذي يبدو إقصائيًّا، إلى معنى جديد يؤكّد تعدُّد السُّبل الدينية. وبرأيي، هنا موطن الخطأ، لأنّ هذا الفهم يعتبر كلمة "صراط" مرادفةً لكلمة "دين"، بوصفه منظومة عَقَدية وأخلاقية، أو مؤسَّسة معرفية واجتماعية؛ في حين الإفرادُ والاستغراق في التعريف مقصودان في الآية، ولا يستقيم المعنى من دونهما. 

كلمة "صراط" قد تكون من أصول لاتينية رومانية، وتعني الطريق العريضة، على طريقة الرومان في تخطيط المدن وشق الطرقات الطويلة بين الحواضر. وبعضها لا تزال موجودة إلى اليوم، ومِن ثمَّة أتى المثل: "كل الطرق تؤدي إلى روما". ولا تزال الكلمة مستعمَلة في بعض اللغات الأوروبية، كما في الإيطالية "سترادا"، وفي الإنكليزية "ستريت". هذا مع أن "حديث الصراط" -وهو معنى غير موجود في القرآن- يتحدّث بِجسر دقيق كالشعرة حادٍّ كالسيف معلَّق فوق الجحيم، مَن عبَره نجا. فاعتبار الأصل اللاتيني يعطي معنى الرحابة والسعة، لا معنى الضيق والحرج. 

بغضِّ النظر عن الأصل اللغوي والاشتقاق، فإن الكلمة لا تعني بالضرورة الدين الجمعي بالمعنى المؤسَّسي. فالمؤمن(ة) في الآية يطلب من الله أن يهديه إلى السبيل الأقرب الموصل إليه تعالى. وكما نَعلم في الهندسة أن أقصر طريق بين نقطتين هو الخط المستقيم، وهو وحيد، فلا يمكن رسم خطين مستقيمين مختلفين. والآية {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} تشتمل على المستويَين العَقدي والسلوكي؛ إذ إنَّ طلب الهداية يقتضي الإيمان بالهادي، والصراط المستقيم هو طلب السلوك القويم الموصل إلى رضا الله. فمعنى الطريق مقترن بمعنى المشي والسلوك. إنها "الاستقامة الأخلاقية" التي تُحوّل الإيمان إلى فعل في الحياة والتاريخ. 

سورة الفاتحة التي يقرؤها المؤمن(ة) باستمرار في صلواته أكثر من سبع عشرة مرّة في اليوم، تضع الإنسان بين يدي ربّه "وجهًا لوجه"، فيحمده على نعمه، ويطلب منه الهداية. ومع أن فِعل الطلب جاء بصيغة الجمع (اهْدِنا)، فالمؤمن(ة) الكريم لا يطلب الهداية لنفسه فقط، بل يطلبها لجميع الناس، حيث إنّ الغالب على هذا السلوك المسؤولية الفردية، أو التديّن الشخصي. لكلّ واحد(ة) منا صراط وحيد يسلكه نحو الله، وهو صراط الاستقامة والصدق وإخلاص النية والعمل الصالح والتوبة الدائمة. وهذا الصراط يتلوّن ويأخذ تضاريس حياة طالب(ة) الهداية، من خلال سياقات حياته اليومية ومسارات تجاربه الشخصية؛ ما يجعل هذا الصراط وحيدًا لأنه شخصي. فالإنسان فردٌ أمام الله: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام: 94]. هذا يذكّرنا بالمقولة الصوفية: "إن الطُّرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق"، حيث لكل نفس طريقها الوحيدة والفريدة. 

عبارة "الصراطات المستقيمة" توحي أيضا بإمكانية "تَوازي" السبل والغايات. وهذا غير مطابق لواقع الحال، لأنّ السبل -وإن كانت وحيدة- تتقاطع وتتشارك، وتلتقي في أحيان كثيرة في المسارات والغايات. فأَتْباع الأديان المختلفة يتحاورون ويتعلّم بعضهم من بعض. وهذا ممكن فقط بسبب هذه التقاطعات، ولإيمانهم بوحدتهم الإنسانية، وبعطشهم المشترك إلى الحقّ. فلو اعتبرنا أن لكل واحد منهم "حقيقته" الخاصة الموازية لبقية الحقائق، لكان قد أدَّى هذا إلى نوع من السفسطائية، وجعل "تَعارُفنا" غيْرَ ذي معنى. هذا فضلًا عن إمكانية الخطأ والصواب في كل طريق. لذلك، نحتاج إلى الهداية حتى لا نَزيغ. فليست كلّ الطرق متساوية في القيمة، إذ فيها الملتوي المملوء بالحفر وقُطَّاع الطرق، بل إنّ الطريق الواحدة قد يعتريها الضلال وتحتاج باستمرار إلى الإصلاح، الذي من أبوابه الاطلاع على المسارات الأخرى.

إن التعدّدية الدينية -باعتبارها مرادًا إلهيًّا- من الركائز العَقدية الأساسية في القرآن الكريم، وإن لم تحظ بعدُ بما يستحق من الاهتمام. والآيات الدالّة على ذلك عديدة؛ ما يغنينا عن استعمال مفردة "صراطات"، لِما يحفّ بها من التباسات. والله أعلم! 

الكلمات الدليلية

جميع الحقوق محفوظة © 2021
تصميم وتطوير Born Interactive