الرجوع

العلم بوصفه دِينًا

الأربعاء

م ٢٠٢٠/١٠/٢٨ |

هـ ١٤٤٢/٠٣/١٢

“العِلم بوصفه دِينًا”. هذا العنوان ربما يستدعي في الذهن العربي المعاصر، ما هو مطروح من أن العلم الطبيعي يشكل دينًا بديلًا عن الدين التعبدي المعهود. ومقالي هنا لا يتحدث بذلك، وإنما يتحدث بالعلم الديني ذاته. هذه مقدمة مهمة للقارئ، وهو يلِجُ في المقال.

العلم لغةً: إدراك الشيء، وهو ضد الجهل. والعلم في القرآن: اليقين، وهو ضد الظن. وبمعنى أوضح، هو المعرفة المتحصلة من عند الله. فكل معرفة من عند غير الله، هي ظنون غير معتبَرة في حقل الإيمان. طبعًا لا أريد هنا أن أدخل في تفاصيل اعتراف القرآن بمصادر معرفية من سواه، وما قيمة ذلك؛ إذ هدفُ المقال هو اعتبار الدين بوصفه إيمانًا وليس علمًا، والحديثُ في تحوُّل العلم البشري إلى دين إلهي. وهو ما يُلزمني هنا أن أُعرّف العلم الذي أقصده.

العلم مفهومًا: هو المنظومة المعرفية المشتملة على مصادر المعرفة وطرق تحصيلها، ونظرياتها ومناهجها، وشروطها ووظائفها. والعلم بهذا المعنى له متخصِّصون، ومن لا يتخصص فيه لا يتقن مداخله ومخارجه، ولا يتمكن من نقده أو فهم مراده. فالطب -مثلًا- علم لن يقتدر عليه إلا الأطباء، وهكذا سائر العلوم كالهندسة والفلك والاجتماع والنفس. ومن يتحدث بها وهو ليس من أهل اختصاص بها، فسيأتي بالعجب -كما يقال-، والغالب أن أي تدخل في أحدها من غير المتخصصين يفسده أو يضر به. فمَن يُرِدْ أن يعالج مريضًا من غير الأطباء، فإنَّ مضرته متوقعة، وقد تكون متحقَّقة.

هذه العلوم متطورة ومتغيرة، وربما انتهى دور علم من العلوم، ولم يبقَ منه إلا دراسته في تاريخ العلوم وتطورها. ثم إنَّ معظم العلوم قد حصل فيها تطور كبير جدًّا، إذ علم النفس مثلًا مختلف الآن عن علم النفس قبل مائة عام، ولو درس شخص علم النفس القديم، لم يستطع التعامل مع علم النفس الحديث، اللهم إلا إذا درسه وفهمه جيدًا. هذا بالنسبة إلى العلوم الطبيعية والإنسانية، وهو ما ينطبق أيضًا على العلوم الدينية. فأيُّ علمٍ من علوم الدين -وأقصد هنا علوم الدين الإسلامي بالذات، كعلم الفقه وأصوله وعلم الكلام وعلوم القرآن وعلم التصوف-، فله منظومته الخاصة، سواء في مصادره المعرفية أو طرق تحصيلها، أو مناهجها، أو شروطها ووظائفها. ولذلك، لا يمكن أن يشتغل فيها إلا المتخصص الذي امتلك أدواتها المعرفية، وتمكَّن أيضًا من العلوم الخادمة لها كاللغة العربية والتاريخ.

هذه العلوم ابتدأت باكرًا منذ العهد الإسلامي، في عصر كبار التابعين، على إثر النزاع الذي حصل بين الصحابة مباشرة. وقد ابتدأ التحزب فيهم سياسيًّا، ليتحول إلى تمذهُب عَقَدِيّ وفقهي. فيُروى عن محمد بن سيرين (ت 110هـ) قوله: “إن هذا العلم دين، فانظروا عمّن تأخذون دينكم”. وقد استلزم تطور الأحداث في الاجتماع الإسلامي، أن يواكبه تطور في المنظومة المعرفية. فالقرآن بذاته جاء ليعالج قضايا في زمن تنزُّل الوحي، ولكي تتحول الآيات القرآنية إلى أدلة تعالج اجتماعًا آخر مختلِفًا، لا بد لها من منظومات معرفية جديدة؛ فكانت المنظومات الثلاث: الرواية والعقيدة والفقه. وهذا أمر طبيعي يفرضه سير الزمن الاعتيادي. فما بالكم بالتطورات السريعة والمتصارعة التي حدثت في صدر الإسلام بعد النبوة؟ وهكذا، تحولت هذه المنظومات من علوم أنشأها البشر بمعارف زمنهم، إلى دين يُتعبد به لله.

أما الدين بكونه إيمانًا، فهو لا يحتاج إلى هذه المنظومات؛ إذ جعل الله القرآن ميسَّرًا: {ولقد يسَّرْنا القرآنَ لِلذِّكْر}، ويمكن أن يتّبعه الإنسان عبر فهمه لآياته الميسَّرة. فهو جاء بهداية الإيمان ورسالة الأخلاق، والتي على ضوء توجيهاتهما يَبني الإنسان حياته.

في الجانب الفردي: الدين هو علاقة بين الإنسان وربه، قائمة على التوحيد والتوكل والرضا والصلاة والدعاء. فالدين هنا ليس علمًا بمعنى أنه يحتاج إلى منظومة تفسره وتشرحه وتُركَّب عليه الأدلة؛ وإنما هو علم بكونه جاء يقينًا من عند الله. ولذلك، لا يحتاج لفهمه والتعامل معه إلى منظومات معرفية.

في الجانب الاجتماعي: هو ما يحوِّل الدين إلى علم ذي منظومة معرفية، وليس العكس، كما حصل لدى المسلمين. فالأحكام التي تتعلق بالاجتماع كالأحوال الشخصية والمعاملات المالية، هي التي تتحول إلى فقه أو قانون، وحينها ستكُون بيد المختصين فقط، لكنها على أي حال لا ينبغي أن تتحول إلى دين، يُكفِّر أو يُضلل من يخالفها.
جميع الحقوق محفوظة © 2021
تصميم وتطوير Born Interactive