الرجوع

في الحاجة إلى موعظة الخواتم الثلاثة

الخميس

م ٢٠٢١/٠٩/٠٩ |

هـ ١٤٤٣/٠٢/٠٢

تعرف العلاقةُ بين مؤمني الأديان الإبراهيمية الثلاثة في السنوات العشر الأخيرة، مفارَقةً تتجلى من خلال مسارَين متناقضين. من جهة، ومنذ الدينامية التي أطلقها مجمع الفاتيكان الثاني، انخرطت المؤسسات الدينية في الممارسات الحوارية وبناء أسس دينية وإنسانية للحوار بين المؤمنين/ات. لكن من جهة أخرى، نشهد انتشارًا متزايدًا في فضاء التواصل الاجتماعي، لِمَواقع تقوم بإحياء التقليد الجدالي القديم الذي يتميز بخطابات عنيفة، تقوم على محاولة نسف عقيدة الآخر ودحضِها، وتبيان تهافُتها وفضح شبهاتها، وتَحمل أسماءً تحيل على حرب مقدسة تحتدم في الفضاء الافتراضي، مثل: "مُكافح التنصير"، أو "نهاية الإسلام"، أو غيرهما.

لا شك أن حرية النقد جزء من حرية التعبير، لكن الخطر هنا يكمن في بناء هويات دينية افتراضية وعوالم انفصامية، تهيمِن عليها معرفة تبسيطية ووُثوقية مبنية على لاهوت صراطي إقصائي، وتصادُم الحقائق المطلقة، وهي معرفة توحيدية عاجزة عن الوعي بتعقُّد كل المنظومات الدينية بطابعها التاريخي البشري، وهشاشاتها اللاهوتية. وفي موازاة مع تنامي الهوس بإظهار دين الآخر باعتباره حفنةً من الخزعبلات، يَظهر العجز عن نقد الذات. هكذا، تظل هذه الخطابات الجدالية حبيسة "كوجيتو" (لاتينية تعني أُفَكِّر، تحيل إلى إثبات الوجود بحسب ديكارت) بالغ السلبية والتبسيط: "أنا مؤمن أمتلك الحقيقة المطلقة، إذن الآخر كافر يَرزح تحت وطأة الضلالات". فيصبح الحوار مستحيلًا، وتغدو المشترَكات الدينية أشبه ما تكون بتلك الشجرة، التي تختفي وراءها غابة الاختلافات. 

لا شك أن منظوماتنا التربوية تحتاج إلى نماذج معرفية من فهم التعدد الديني، ولعل مِن أرقاها نموذج الخواتم الثلاثة، الذي قام بصياغته فيلسوف التنوير الألماني "ليسينغ"، في مسرحيته "ناثان الحكيم" في القرن الثامن عشر.

ترجع أحداث المسرحية إلى زمن "الحملة الصليبية الثالثة" أواخر القرن الثاني عشر، في القدس تحت حكم السلطان المسلم صلاح الدين الأيوبي، الذي استدعى عالِمَ أديان يهوديًّا اسمه الحكيم ناثان، وسأله عن الدين الحقيقي من بين الأديان الإبراهيمية الثلاثة. عرَف الحكيم صعوبة السؤال واستحالة الإجابة عنه بالاستدلال المنطقي، فاقترح على السلطان إجابة أكثر عمقًا ودلالة، وهي أن يروي له قصة رمزية تتجاوز سؤاله المغلق، حول رجُل ثري يملك خاتمًا عجيبًا ورثه عن أجداده، لا يقدَّر بثمن، وله خاصية أنَّ مَن يمتلكه يتحصل على محبة الله ومحبة الناس له، وكان التقليد أن يورثه الأب أحبَّ أولادِه إلى قلبه.

كان للرجل ثلاثة أبناء، يُكنُّ لهم الحبَّ نفسه. فوقع في الحيرة، لأنه لم يرغب في التمييز بين أبنائه أو زرْعِ الفُرقة والخلاف بينهم. فلجأ إلى حيلة ذكية، حيث وعد كلَّ واحد منهم أن يكون الخاتم من نصيبه، وكان قد طلب من صائغ صُنْع خاتمَين آخرَين يشبهان تمامًا الخاتم المميز. وعند اقتراب أجله أعطى كلًّا منهم -خلافًا لتقليد الآباء والأجداد- خاتمًا من الخواتم الثلاثة. دخل الإخوة الثلاثة في جدال حادٍّ، كل واحد منهم واثق بأنه ورث الخاتم المميز، لكن لم يستطع أيٌّ منهم أن يثبت دعواه بسبب تشابه الخواتم. فانتابهم الشك في أن كل الخواتم مزيفة، وأنه لا وجود لوارث حقيقي للخاتم المبارك. فلجؤوا إلى قاضٍ يعرضون عليه مأزقهم. كان ردُّ القاضي أن مالك الخاتم، لكي يكون شخصًا يحظى بحب الله والناس، يجب أن يكون شخصًا يتحلى بالفضيلة، مُحبًّا للخير وللبشرية. لذا، على كل واحد منهم أن يثبت من خلال عمله الصالح وقدرته على صنع محبة الآخرين له، أنه حاملٌ للخاتم الأصلي وجدير به.

تَرمز الخواتم الثلاثة إلى الأديان الإبراهيمية الثلاثة، لتشابهها وتلازمها وارتباط بعضها ببعض؛ ما ينقض عقيدة احتكار الحقِّ المطلق، ورفْض منح الأديان الأخرى أية قيمة خلاصية. فالأديان تُشكل أنساقًا عقائدية تجعل مؤمنيها قادرين على التصرف بطريقة أخلاقية إيجابية. ثم إنَّ قيمة الأديان لا تتأتى من الجدل اللاهوتي، بل من القدرة على تحويل المعتقدات إلى عمل صالح. أمَّا إرث الآباء أو العهد الحقيقي فليس هو الخاتم، بل المسؤولية الأخلاقية التي تجعلنا جديرين بحب الله وإخواننا في الإنسانية. أيضًا تُشكل القصة نقدًا للتعصب الديني المبني على الغرور العقائدي؛ إذ حبُّ الله لنا مرتبط بحبِّنا للإنسانية، والإله الحقيقي غير متحيز، بل مُحبٌّ لكل البشر الذين يشكلون عائلة واحدة.

نعتقد أن هذا التصور يجدر أن يكون أساس التربية الدينية، فهو يسمح بفهم جديد للنصوص المقدسة، وبناء عقل لاهوتي جديد يعي أنه لا يمكن لأي دين أن يحتوي ميراث الله الكلي. إنَّ موعظة الخواتم تُعلِّم المؤمنين/ات فضيلتَي الإيمان والتواضع، وقيمة احترام عقائد الآخرين. فالدين الحقيقي ليس حقائق نبجِّلها فقط، بل هو عالَمٌ أكثر إنسانية، كلُّنا مدعوُّون إلى بنائه.

 

جميع الحقوق محفوظة © 2021
تصميم وتطوير Born Interactive