الرجوع

"موعظة الجبل" وكسر دائرتَي العنف والكراهية 

الإثنين

م ٢٠٢٢/٠٩/٠٥ |

هـ ١٤٤٤/٠٢/٠٩

اِحتَدم أخيرًا نقاش فكري وديني جديد في مصر، وامتد خارجها، عندما نشر أحد الدعاة (أستاذ الشريعة في الأزهر) مند حوالي شهرين، مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، يَظهر فيه ساخرًا من شخص السيد المسيح؛ ما أثار جدلًا وحملة رفضٍ وسخط واسعَين. 

انتقد الداعية في المقطع أحد الإعلاميين المصريين، الذين أشادوا مند سنوات بالقيم الروحية والإنسانية التي تحتويها "موعظة الجبل" في إنجيل متى، حيث اعتُبرت أحد أسمى النصوص الدينية على الإطلاق. اعتبر الداعيةُ الإشادةَ بالموعظة وبشخص المسيح مبالَغًا فيها، وذَكَر أن القرآن لا يتحدث بالسيد المسيح، بل يذكر "المسيح" دون "السيد"، ثم استطرد ساخرًا باللغة العامِّيَّة: "بَلا السيد المسيح، بَلا السيد المرِّيخ، كلهم سادة". وقد اعتُبرت هذه المقالة انتقاصًا من شخص المسيح، ومِن نصٍّ ديني يعتبره المسيحيون وكذلك الكثير من المسلمين نموذجًا ساميًا من قيمتَي الحب والغفران.

قدم الداعية اعتذارًا إلى "الإخوة المسيحيين"، مؤكدًا أن ما قاله كان مجرد زلة لسان، وأن القرآن لا يفرق بين أحد من رسل الله. لكن ذلك لم يمنع تقديم دعاوى قضائية ضده، ومَطالب تنادي بتقديمه لمحاكمة جنائية بتهمة "السخرية من المسيح"، والتجديف، و"ازدراء الدين المسيحي". لقد اعتُبرت أقواله تهديدًا للوحدة الوطنية، ونشرًا للكراهية والانقسام الطائفي، بل قد جرى اتهامه بازدراء الدين الإسلامي الذي يحيط شخص المسيح بكثير من الاحترام والتبجيل، وذلك من خلال "كسر هيبة السيد المسيح في عيون المسلمين"؛ ما يشكل مخالفة لنصوص القرآن، الذي يَعترف بالمسيح الذي "يُبعث حيًّا"، وبأنه "كلمة الله وروحه".

قد يكون إحساس الكثير من المسيحيين بالإهانة عميقًا بسبب تلك الكلمات، لكني أعتقد أن اللجوء إلى محاكمة الداعية تحت سلطة قوانين ازدراء الأديان والتجديف، سلوكٌ لا يمكن أن ينبني على فكرة الدفاع عن الدين والإيمان مسيحيًّا أو إسلاميًّا، بل إنه يتنافى مع قيم موعظة الجبل نفسها، التي تنسخ شريعة الانتقام و"السن بالسن"، بشريعة المحبة. يقول السيد المسيح: "سمعتم أنه قيل: تحبُّ قريبَك وتُبغض عدوَّك. وأما أنا فأقول لكم: أحِبُّوا أعداءكم. بارِكوا لاعِنيكم. أحسِنوا إلى مبغضيكم. وصَلُّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم. لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات". وهي تعاليم تُشكل جوهر البشارة الإنجيلية، ثم إنها دعوة إلى تَحوُّل روحي وأخلاقي يؤسس للعهد الجديد نفسه.

لقد أحببتُ كثيرًا تعليقًا على مواقع التواصل الاجتماعي، يرى أن الداعية المصري غير مُلزَم بالاعتذار إلى الأقباط، بل إلى السيد المسيح نفسه، لأن ذلك سيكون في حد ذاته تطهيرًا للنفس وتزكية لها. ثم إن هناك مَن رحب باعتذار الداعية المصري، لكنه طالب في الوقت نفسه بعدم تعريضه للمتابعة الجنائية، وأيضًا طالَب بإلغاء مادة ازدراء الأديان.

لا بد من الإشارة هنا إلى السياق الصراعي الذي نشأ فيه هذا النقاش. فقد اعتبر الداعية أن الإشادة بهذا النص الإنجيلي يوحي بانتقاص لقيمة القرآن، قائلًا: "والله أنا أتحدَّى "إبراهيم عيسى" لو قال رُبْع اللي قاله في القرآن الكريم". أيضًا اعتبر الداعية أن الإعلاء من قيمة "موعظة الجبل"، يكشف عن وجود دعوة خفية إلى التنصر، وتحريض لشباب المسلمين على ترك الإسلام إلى المسيحية.

تكشف الدعوة إلى محاكمة الداعية وجود علاقة وثيقة بين العنف والمقدس، وهي علاقة يفسرها المفكر الفرنسي "روني جيرار" بأن العلاقة بين الأديان مبنية على "الرغبة المُحاكاتية"، أي الرغبة في تملُّك ما يرغب فيه الآخر (الحقيقة المطلقة)؛ ما يولِّد دوامة العنف "المقدس". لذا، تَحول النقاش إلى سجال أثار سؤال التناقض، بين إدانة تصريح الداعية المصري وما جرى التغاضي عنه مما اعتُبر إساءةً من الإعلامي لصحابة الرسول ومسًّا لثوابت الدين الإسلامي. ولأجل إيقاف العنف جرى البحث عن "كبش فداء"، من أجل "الحدّ من الانتقام"، وتوجيه العنف نحو أضحية ملائمة (أي الداعية المصري).

إلَّا أن موعظة الجبل تُعلِّمنا كيف أن تعاليم المسيح وتضحيته، من شأنها أن تكبح دوامة العنف عن طريق قيمتَي الحب والعفو، بدل اللجوء إلى شريعة القصاص؛ ما يفكك الترابط بين العنف والمقدس، حيث يمكننا أن نتصالح مع الله ومع أنفسنا دونما الحاجة إلى أضحية، ما دام أن المسيح قَبِل أن يوجَّه العنف تجاهه، بدل أن يوجَّه تجاه خصومه، وبدل أن يدعو أتباعه إلى الانتقام.

يقول مولانا جلال الدين الرومي: "الظلام لا يمكنه أن يطرد الظلام، فقط النور هو من يفعل ذلك، والكراهية لا يمكن أن تطرد الكراهية، فقط الحب يستطيع فعل ذلك". لذا، وانطلاقًا من جوهر موعظة الجبل، أرفض أن يكون الداعية أضحية تضاف إلى أضاحٍ كثيرة، مسلمين كانوا أو مسيحيين، لأن ذلك لن يوقف لا العنف ولا الازدراء. أما مبادئ العفو والحب وخَلْق مساحات واسعة للنقاش العام، فيمكن لها وحدها أن تهزم الكراهية والعنف. والله أعلم

 

مقالات الرأي المنشورة في تعددية تعبر عن رأي الكاتب/ة، ولا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة.

إعادة نشر أي مقال مشروطة بذكر مصدره "تعددية"، وإيراد رابط المقال.

جميع الحقوق محفوظة © 2022
تصميم وتطوير Born Interactive