إيفون شـامي - المُناضِلة من أجل كرامة الشخص ذو إعاقة

إيفون شـامي إيفون شـامي

إيفون شـامي - المُناضِلة من أجل كرامة الشخص ذو إعاقة

سيرتـــها

وُلدَت إيفون شامي في لبنان، في الثامن من أيار/مايو سنة ۱۹۳۸. بدأتْ مسيرتَها كممرِّضةً، ومساعِدةً اجتماعيّة، وقابلةً قانونيّة، على إثر اندلاع الحرب عام ۱۹۷٥. وبعد عودتها إلى لبنان من فيتنام التي أمضت فيها ستّ سنوات، عملت مساعِدةً للبروفسور إرنست مجدلاني في مستشفى مار جرجس في الأشرفية، حيث اكتشفَت ‘‘اختفاء أطفال حديثي الولادة، وتحديدًا ممّن يعانون إعاقاتٍ ذهنيةً أو جسديّة’’، لِتَعلم فيما بعد أنّهم يُرسَلون إلى مؤسّسات (مِثل: دَير الصّليب)، ليعيشوا في عزلةٍ تامة عن العالم. فدفَع هذا الوضعُ المأساوي إيفون شامي إلى طرح القضيّة على كهنة الرّعايا١، والسَّعي إلى نشر الوعي، وتشجيع الأهالي على التّحدّث بهذا الواقع بصراحة. فما كان منها إلّا أن اكتشفت الكثير من الحالات والصّعوبات الّتي تُواكب العائلات في هذا المجال. ولذلك، أسَّست مع بداية الحرب اللّبنانية عام ۱۹۷٥ مؤسَّسة ‘‘سيزوبيل’’، لمتابعة حياة الأطفال المصابين بإعاقة ذهنية أو جسدية منذ الولادة، ولِلسّماح لهم بعيش حياة كريمة، حتى يصبحوا بِدَورهم شُهودًا يَحملون رسالة إلى الآخرين.

اِعتمدَت إيفون شامي المقاربةَ الشّاملة، لمرافقة الطّفل ذي الإعاقة، على جميع الصُّعُد المتعلّقة بحياته، واهتمّت بالتّدخّل المُبكر والتّربية المختصّة، إمّا في البيت قبل الحِضانة، وإمّا من خلال دمجه ومتابعته في المدارس العاديّة وَفْق قدرته وحاجته. أيضًا لم توفّر أيّ جهد في مساندة الطّفل ذي الإعاقة الذهنية أو الجسدية، ليعيش حياة كريمة بفرح ورجاء، وليكتشف محبّة الله له على الرّغم من الصّعوبات الّتي تعترض طريقه. لقد أدركَت ضرورة عملها مع عائلة كلّ شخص قَيْد المتابعة، حيث ساعدَت هذه العائلات على تخطِّي المصاعب الّتي تواجهها في تَقبُّلِ الإعاقة، حتّى في تجهيز المنزل إنْ لزم الأمر. إضافةً إلى ذلك، عملَت على نشر الوعي داخل المجتمع والكنيسة، للاعتراف بقيمة الطّفل ذي الإعاقة، وحقِّه في حياة لائقة مهْما كانت إعاقته.

آمنَت إيفون شامي بأهميّة المتابعة النّفسيّة ومساندة الأهل، بهدف تَقبُّل واقع الإعاقة والتّعايش معه. فلم تَبخل ببذل الجهد في تحضير الإخوة والأخوات عمليًّا ونفسيًّا ومعنويًّا، للاهتمام بإخوتهم المُعَوَّقين –بوجود الأهل أو بغيابهم–، وفي استعادة التّوازن المفقود ‘‘واكتشاف فنّ العيش بتكامل، كلّ بحسب طاقاته’’. وبَعْدُ، آمنَت شامي بِدَور العائلة، وبأهميّة المحافظة على وَحْدتها. فأمّنَت الدّعم بواسطة خبرات مهنيّين ومتخصّصين وباحثين في مجالات الإعاقة، وبمساعدة أطبّاء ومعالجين مختصِّين في مجالات التّأهيل.

أكّدت الشامي أنّ: ‘‘الأسرة هي أجمل مشروع في العالم، وأكثر صعوبة، لأنّ المجتمع لا يُعِدُّنا للعيش معًا. لا توجد عائلة مثاليّة... دعوتي هي أن أكون دعمًا للعائلات’’. أيضًا نادت بِـ‘‘اكتشاف الجواهر الكامنة في عمق كلّ إنسان؛ إذ لا بدّ من الغوص في أعماق المحيط للعثور على هذه الجواهر’’. وهكذا، استطاعت المؤسَّسة الّتي أطلقَتها، أن تؤمّن الخدمات المتخصّصة (الطبيّة، والنّفسيّة، والفيزيائيّة، وتقويم الأعضاء...إلخ)، حيث يُحيط بالأولاد فريقٌ دائمٌ ذو اختصاصات متعدّدة. وإيمانًا منها بأهميّة متابعة رسالتها تجاه أكثر الأشخاص حاجةً من ذوي الإعاقات، أسّست عام ۱۹۹٢ ‘‘أنت أخي’’، لتؤمّن المنزل الّذي قد يحتاج إليه بعض هؤلاء. ويتيح ‘‘بيت الحنان’’ (أنت أخي) لذوي الإعاقة، العيش معًا بكرامة وفرح، ويهدف إلى أن يكُون مكان تدريب ودعم للشبان والشابات ذوي الإعاقة في حياتهم الروحية، ويؤمّن توعية المسؤولين الدينيِّين لاكتشاف أهمية الأشخاص ذوي الإعاقة ورسالتهم في قلب الكنيسة والمجتمع.



إيفون شـامي

استطاعت ‘‘سيزوبيل’’ عن طريق الدَّعمَين المحلّي والأجنبي، والمبادرات التي أطلقَتها (مثل: التحضير أو التصنيع لِلمُونة اللّبنانيّة والشوكولا والزينة، وبيعها)، أنْ تُساند المئات من ذوي الإعاقة، وُصولًا إلى دمجٍ مَدرسيّ بمساعدة وزارة التّربية ومساندة البلديّات، إذ جرى افتتاح بعض الصّفوف، لكي يتلقّى فيها تلاميذ من ذوي الإعاقة دروس المنهج المدرسيّ، ضمْن برنامج خاصّ بهم، ثم يلتحقوا بعدها برفاقهم في الصّفوف العاديّة، ويكملوا دراستهم في دمجٍ كلّي في محيطهم. فها هي مؤسّسة سيزوبيل: ‘‘تسعى لتأمين الأفضل لأولادها. فالإعاقة ليست سببًا للتّقَوقع والانزواء، بل نحن نعمل على المجتمع بأكمله ليرى في الإعاقة وجهًا من وجوه الحياة. الأهمّ هو التّعرّف إلى قيمة الفرد كإنسان بغضّ النّظر عن إعاقته، فيتمكّن من أن يصبح شاهدًا لقضيّته في المجتمع’’، بحسب قول المديرة العامّة التّنفيذيّة فاديا صافي.

نشَرت إيفون شامي التّضامن البشري من حولها، إذ فُتِحَت المؤسّسات الّتي أطلقَتها لكلّ محتاج من دون استثناء. وأعلنَت إيمانها بروعة كلّ إنسان بِغضّ النّظر عن طاقاته وقدراته، وسعَت إلى نشر الوعي في مجتمعها وكنيستها بحيث قاربت نظرة المجتمع من حولها مدركةً أنّ أيّ شكلٍ من أشكال الإعاقة لا يُلغي كرامة الإنسان. أيضًا آمنَت بأنّ: ‘‘حجر الزّاوية في نجاح كلّ شيء، هو العلاقات البشريّة المرتبطة بحقيقة الوجود’’. تصف الحاضرين ضمْن رسالتها في كلٍّ من ‘‘سيزوبيل’’ و‘‘أنت أخي’’، قائلةً: ‘‘شبابُنا هم مِثل القُربان المقدّس٢. شكلُهم الخارجي لا يُعبّر عن جوهرهم، وعمّا هو حاضر في عمق أعماقهم’’. فكلّ إنسان -مهْما كانت ظروفه- ينبغي أن يعيش الفرح والسّلام مع نفسه ومع الآخرين، وهو مَدعُوّ إلى حياةٍ كريمة، وإلى اكتشاف محبّة الله له. وكانت المؤسّساتُ الّتي أطلقَتها، من الأوائل في رعاية ذوي الإعاقة، بصرف النّظر عن انتمائهم الدّيني أو السّياسي أو العِرقي أو المناطقي أو مستواهم الاجتماعي.

نظرَت إيفون شامي إلى كلّ إنسان لا سيّما الأكثر ضعفًا، ورأت فيه قلبًا نابضًا، وجسمًا مكبَّلًا لا يستطيع تلبية طموحات هذا القلب الكبير. فسعَت للغوص في أعماق هذا القلب، لتمدَّ له يد المحبة والتّضامن البشري. فبِقدر ما يكتشف ‘‘الإنسان أنّه مُقدَّرٌ ومُحَبٌّ، يستطيع الكشف عن ذاته’’.

إيفون شـامي
جميع الحقوق محفوظة © 2022
تصميم وتطوير Born Interactive