ديزموند توتو - المُناضِل اللاعنفي ضد التمييز العنصري ومن أجل المصالحة الحقيقية

ديزموند توتو ديزموند توتو

ديزموند توتو - المُناضِل اللاعنفي ضد التمييز العنصري ومن أجل المصالحة الحقيقية

سيرتـــه

وُلد ديزموند توتو في بلدة كليركسدوربترانسفال (KlerksdorpTransvaal) في جنوب أفريقيا، في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 1931، من أب مدرّس وأم خادمة في مدرسة لأشخاص مكفوفين، وكان له ثلاثة إخوة. نشأ وهو يرُاقب التمييز العنصري الذي كان يتعرّض له السود في بلاده، وكيف كانوا يُحرمون الحقوق الأساسّية التي يتمتّع بها البيض. عندما كان طفلًا، لم يكن مسموحًا آنذاك للمواطنين السود في جنوب إفريقيا بالتصويت، وكان مجتمع السود معزولًا بشكل كامل عن المجتمعات المحيطة به. وعلى الرغم من أن عائلته كانت فقيرة ومتواضعة، فإنَّ توتو وأشقَّاءَه تكيَّفوا إلى أقصى الحدود الممكنة مع الظروف الصعبة، وتمكَّنوا من الحصول على طفولة سعيدة إلى حدّ ما.

تابع توتو دراسته في جوهانسبرغ حيث تلقَّى تعليمًا جيدًا وتخرّج في عام 1950. كان حُلم طفولته أن يُصبِح طبيبًا. لذلك، حاول دخول كليّة الطبّ، ولكنّ عجْزَه عن تحمّل التكاليف، اضطَرَّه إلى قبول منحة دراسيّة في التعليم من كلّية بريتوريا بانتو (Pretoria Bantu Normal College). وبعدها، استكمل دراسته الجامعية، وتخرّج من جامعة جنوب أفريقيا عام 1954. كتَب واصفًا ما انطبع في نفسه عن المرحلة الأكاديمية من حياته، وعن الأثر الذي تركه فيه أساتذته: ‘‘لقد زرعوا فينا الانطباع أنَّ السماء هي في الواقع حدودنا اللاملموسة، كما ساعدونا وشجعونا على بناء أحلامنا. وأهمّ ما تعلّمْنا أنه -على الرغم من كل العقبات التي قد نواجهها في الحياة-، لا يجب أن نتوانى عن بلوغ أهدافنا، حتى ولو كانت هذه الأهداف بُعْدَ النجوم عن أيادينا’’.

بدأ مسيرته المهنية مدرِّسًا في مَدرسته الأولى، واستطاع أن يؤمِّن مستوًى عاليًا من التعليم لطلَّابه رغم القيود القانونية التي كانت قد فرضَتها الدولة لِلْحدّ من فرص تعليم الأشخاص السود في جنوب أفريقيا. بعد سنتَين من زواجه عام 1955، استقال من وظيفته بسبب رفضه تكريس التمييز العنصري في النظام التعليمي.

بعد ذلك، الْتَحق بكليّة سانت بيتر اللاهوتية في روزيتنفيل (St. Peter’s Theological CollegeRosettenville) في جوهانسبرغ لدراسة اللاهوت١. رُسم شماسًا٢ أنجليكانيًّا٣ عام 1960، وكاهنًا عام 1961. ذهب إلى إنجلترا عام 1962 لمتابعة المزيد من الدراسات اللاهوتية، وحصل على درجة الماجستير في اللاهوت في عام 1966 في King’s College London. بعدها، عاد إلى جنوب أفريقيا عام 1967، وبدأ التدريس في كلية اللاهوت Federal Theological SeminaryAliceEastern Cape، وأصبح المرشد الروحي في جامعة Fort Hare عام 1967. حاضَر في جامعة National University of Lesotho بين السنتَين 1970 و1972، ثم أقام في إنكلترا ثلاث سنوات. في عام 1975 عاد إلى جنوب أفريقيا، حيث عُيّنَ عميدًا لِكاتدرائية٤ سانت ماري في جوهانسبرغ. وبذلك، أصبح أول كاهن أسود يشغل هذا المنصب. وبصفته عميدًا لكاتدرائية سانت ماري، وبِفضل تقدُّمِه في العلم والمعرفة، استطاع أن يستخدم منصبه وخبرته لمحاربة نظام التمييز العنصري، الذي يتعرض له السُّود في بلاده، ومِن ثَمَّ بات المتحدث الرسمي البارز لحقوق السود.

في عام 1976 عُيِّن أُسْقُفًّا٥ لمدينة Lesotho، وفي عام 1978 اخْتِير أمينًا عامًّا لمجلس كنائس جنوب إفريقيا، ما أتاح له مجالًا واسعًا لكي يُصَعِّد خطابه الرافض لكلّ أشكال التمييز العنصري في بلاده، مستخدِمًا أسلوبًا علنيًّا سلميًّا. وقام بمقارنة بين الفصل العنصري الذي تتعرض له بلاده والحكم النازي ما أثار غضبًا شديدًا لدى حكومة بلاده، التي قامت بإلغاء جواز سفره مرَّتَين. وفي حين كان نيلسون مانديلا، قائد مواجهة التمييز العنصري مسجونًا، نَشِط توتو في مسيرات الاحتجاج التي أدّت إلى اعتقاله وسجنه عام 1980. ومع رفضه الشديد للفصل العنصري، فإنه أبقَى على سلميّة نشاطه المعارض، ولم يدْعُ -ولو مرةً واحدة- إلى استعمال أي وسيلة احتجاج عنفيّة. وكان قد كتب عن ذلك قائلًا: ‘‘لن أدعو أحدًا إلى أن يحمل سلاحًا قط. لكنني سأصلِّي من أجل الذين يحملون سلاحًا، داعيًا أن يكونوا أقلّ قساوة’’. وعندما جرى اقتراح دستور جديد لجنوب أفريقيا عام 1983، لعب توتو دورًا محوريًّا في تشكيل لجنة المنتدى الوطني لمكافحة التغييرات الدستورية التي تُكرّس الفصل العنصري. فاستَخدم مَنصبه لجذب الانتباه الدولي إلى موضوع التمييز العنصري الذي تتعرض لهُ جنوب أفريقيا، ولعب دورًا محوريًّا رياديًّا في نشر الوعي بأهمية التضامن البشري، وكان دائمًا يذكّر حكومته بأن سياسات التمييز العنصري: ‘‘لا يمكن أن تنجح لأنها تتحدى إرادة الله’’. واجَه توتو بشكلٍ لاعُنفيّ التمييزَ العنصري والعنف المُنظَّم، اللَّذَين قادتهما حكومة جنوب أفريقيا. اُنْتُخب رئيسًا لأساقفة مدينة كاب تاون عام 1986، ثم عُيِّن رئيسًا لمجلس كنائس أفريقيا بين عامي 1987 و1997. وفي خطابٍ له، موجِّهًا حديثه إلى الحكومة في آذار/مارس 1988 قال: ‘‘نحن نرفض أن تجري معاملتنا باعتبار أننا مَمْسحة، للقضاء على أوساخ الدولة’’. وقد أثمرَت مقاومته اللاعنفية تحريرَ جنوب أفريقيا من نظام التمييز العنصري عام 1993، ومِن ثَمَّ جرى انتخاب نيلسون مانديلا أول رئيس أسود للبلاد عام 1994. فقام الرئيس مانديلا باختيار ديزموند توتو لرئاسة لجنة الحقيقة والمصالحة، حيث وضع طاقاته في مُصالحة الشعب من خلال كشف الحقيقة ونشر قيم المصالحة بين الشعب الواحد. وكان الهدف الرئيسي لِلَجْنة ‘‘الوصول إلى المصالحة الوطنية بين الضحايا والجناة’’، التحديدَ والمتابعة لجميع انتهاكات حقوق الإنسان، التي ارتُكبت في ذروة سياسة الفصل العنصري، التي بدأتها حكومة جنوب أفريقيا عام 1948. فقامت اللجنة بتشكيل هيئة على شكل محكمة، هدفُها دعوة الشهود الذين كانوا ضحايا للانتهاكات السافرة لحقوق الإنسان، إلى الإدلاء بشهاداتهم حول تجاربهم. أيضًا سمحت لمن ارتَكب العنف بأن يُدلي بشهاداته، ويطلب العفو من الملاحقة المدنية والجنائية. وفي منتصف التسعينيات، عُرف بطلبِه الشهير من أبناء وطنه أن يكونوا ‘‘أمّة قَوس قُزَح’’، لِمَا في هذا التوصيف من أهميّة إدراك التنوع العِرقي، الذي يمّيز جنوب أفريقيا.



ديزموند توتو

كُرِّم ديزموند توتو بِمَنحِه جائزة نوبل للسلام عام 1984، عن ‘‘دَوره شخصية قيادية موحِّدة، في الحملة لحلّ مشكلة التمييز العنصري في جنوب إفريقيا’’. فكان ثاني شخصية إفريقية تنال هذه الجائزة المميزّة. ومِن أبرز ما تَضمَّنه خطابه التكريمي قولُه الآتي: ‘‘لا يمكن أن يكون هناك مستقبل من دون مسامحة، ولا يمكن أن يكون هناك مسامحة من دون محبة’’.

مِن أهم الجوائز التي حصل عليها: جائزة الأُسْقُفّ جون ت. ووكر لخدمته الإنسانية المتميزة عام 1992. وجائزة J. William Fulbright للتفاهم الدولي عام 2008.



فكـــــره

كَرّس توتو خبرته في إنشاء ‘‘لجنة الحقيقة والمصالحة’’، ما دفع العديد من الحكومات والمنظمات العالمية إلى الاستعانة به، لإطلاق لجان شبيهة بذلك. عمِل على التمكين والتدريب للجماعات غير الحكومية، التي تسعى إلى المصالحة، على سبيل المثال: الجماعات المتنازعة في إيرلندا الشمالية وفي Solomon Islands، وقدَّم لهم جُلّ مساعدته وخبرته في إنشاء لجنةٍ للحقيقة والمصالحة. أيضًا حاول جاهدًا مصالحة المتنازعين في كينيا، داعيًا إلى تعزيز فرص الحوار. وفي تشرين الأول/أكتوبر 2008 وضع خبرته لمصالحة جزيرة قبرص المنقسمة، وشجع أهل الجزيرة الواحدة على العودة إلى طاولة الحوار، واستعادة فرص السلام. وقد انتقد فرص السلام الضائعة، والسياسة المتَّبعة من قِبل دولة إسرائيل، التي تَخلق نظامًا شبيهًا بالتميز العنصري.

لم يبخل في وضع كل طاقاته في نشر المصالحة والسلام المستدام، المبنيَّيْن على الحقيقة، وسط أبناء المجتمع الواحد، وفيما بين الأوطان أيضًا، واضعًا لذلك خبرته في تعزيز أُسس التضامن الإنساني. فكان -وما زال- يُعتبر أحدَ أهمِّ المراجع في هذا المجال، إذْ آمَن بأن الخير موجود في الطبيعة البشرية.

يقف توتو في صفِّ أبرز النشطاء في مجال حقوق الإنسان في العالم، على مثال: نيلسون مانديلا، والمهاتما غاندي، ومارتن لوثر كينغ جونيور. فتَجاوزَت تعاليم ديزموند توتو حدود الوطن الواحد ومشاكله، لكي تَقُود نضال الشعوب المضطهَدة، وتُعلِّم التضامن الإنساني من أجل الحرية والمساواة. ولعل ما يجعل توتو شخصية عالمية ألهمَت الملايين حول العالم في مجال تفعيل السلام المستدام بين الشعوب، هو تَفاؤله وإيمانه اللامحدود بقدرة البشر على فعل الخير. ومِن أبرز أقواله: ‘‘على الرغم من كل الفظاعة في العالم، فإن البشر صُنعوا من أجل فعل الخير’’.

كتَب العديد من الكتب والمقالات، من أهمها:
The Divine Intention (1982).
Hope and Suffering (1983).
No Future Without Forgiveness (1999).God Has a Dream: A Vision of Hope for Our Time (2004).


ديزموند توتو
جميع الحقوق محفوظة © 2022
تصميم وتطوير Born Interactive