الرجوع

فقه الديمقراطية

الثلاثاء

م ٢٠١٧/١٠/٠٣ |

هـ ١٤٣٩/٠١/١٣

 

ليست الديمقراطية مجرد آلية انتخابية ابتكرها اليونان قبل أكثر من ألفي سنة، يختار الناس من خلالها من يمثلهم في السلطة، وإنما هي تراث إنساني تراكمي يبدأ من تأكيد قدرة الإنسان على معرفة ما يصلح لحياته ومجتمعه، وتنظيم مشاركته في صناعة القرار من خلال الحوار والعمل المدني.

تَضمن الديمقراطية للمجتمع حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر والتعبير عن الرأي، وهي تحُول دون أن يطغى أتباع دين على غيرهم. فاعتقاد الإنسان بصحة ديانته غالبًا ما يشعره بالاستحواذ على الحق، ويدفعه إلى فرضه على الآخرين ظلمًا وعدوانًا.

وإن كانت المواطنة هي الحاضنة المُثلى للتعددية بكافة أشكالها، فإن الفضل في ذلك يعود إلى النظم الديمقراطية العادلة التي صاغت مفهوم المواطنة على أسس إنسانية وأخلاقية جامعة.

الفكرة الجوهرية للديمقراطية هي أن يحكم الناس أنفسهم بأنفسهم، وفي مقابلها نجد فكرة النيابة الإلهية التي تدمج الديني في السياسي وتجعل الحاكم ظلًّا لله على الأرض، من أطاعه فقد أطاع الله، ومن عصاه فقد عصى الله.

الديمقراطية هي أقرب صيغة للنظرة القرآنية إلى الحُكم، فهي تلتقي مع الشورى التي حث الله عليها رسوله الكريم في علاقته بقومه {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159]، وأمَر المؤمنين بأن يقيموها فيما بينهم {وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38]. فالحكم السياسي في القرآن يقوم على أخذ المشورة بين الناس، ومجال الشورى هو "الأمر"، وهي كلمة تفتح أُفقًا واسعًا يستوعب كل شأن يتصل بحياة الناس وشؤونهم العامة.

ويذكر القرآن أنموذجًا عمليًّا للحكم الرشيد الذي يقوم على الشورى، في مجتمع غير مسلم عاش في جنوب الجزيرة العربية في زمن النبي سليمان قرابة القرن العاشر قبل الميلاد، وهو مملكة سبأ التي كان على عرشها امرأة حكيمة قادت قومها نحو الفلاح من خلال مشورة الناس في اتخاذ القرار: {قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ} [النمل: 32].

وعلى مستوى الممارسة العملية للمجتمع الإسلامي في المدينة، فقد كان الرسول أكثر الناس مشورة للصحابة كما في قول أبي هريرة: "ما رأيت أحدًا قط كان أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم" (رواه أحمد). وتذكُر كتب السيرة أن الرسول الكريم استشار أهل المدينة قبل خروجه إلى معركة بدر، واستشارهم في معركة الخندق.

لعل النظر الدقيق في المضامين العملية لمقاصد الشريعة الإسلامية، يقودنا إلى القول بأن الديمقراطية هي الصيغة المُثلى لتجسيد تلك المقاصد على أرض الواقع. وهذه المقاصد أو الضروريات الخمس هي: "حفظ الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل". والجميل في الأمر أن المقاصد المذكورة ليست مقتصرة على ما جاء في الإسلام، بل هي كما قال الغزالي في كتابه المستصفى: "يستحيل أن لا تشتمل عليه ملة من الملل، ولا شريعة أُريدَ بها إصلاحُ الخلق"، فهي مقاصد إنسانية يقوم عليها إصلاح الشأن الإنساني عمومًا، وليس الإسلامي على وجه الخصوص.

وعلى مستوى التراث الفقهي العملي، فقد ذهب كثير من الفقهاء إلى إقرار حكم المتغلب وشرعنته خشية الفتنة، ودرءًا للمفسدة، وهذا يجعلنا نقول بأن الإقرار بالنظم الديمقراطية التي تنبثق بالطرق السلمية، هو الأقرب للعقل الفقهي الإسلامي.

كذلك اختلف العلماء في تراثنا الديني حول إلزامية الشورى للحاكم، وهل هي "ملزمة أم معلمة". والصواب أن ممارسة الشورى هي شرط أساسي لشرعية الحاكم وصلاح مجتمعه. يقول الكواكبي:" تضافرت آراء أكثر العلماء الناظرين في التاريخ الطبيعي للأديان على أن الاستبداد السياسي متولد من الاستبداد الديني"، وهذا يؤكد أن السياسة عندما تمتزج بالعقائد الدينية، فإنها تصبح أكثر استبدادًا وقهرًا.

تعمِّق النظم الاستبدادية الإحساس بالنفاق والازدواجية بين المواطنين، وتشعرهم بفقدان الأمل والعجز عن إحداث التغيير، في حين تفتح النظم الديمقراطية المجال أمام الإنسان ليعبِّر عن رأيه دون خوف، وتشعره بالقدرة على الفعل وإحداث التغيير.

قد لا تكون الديمقراطية هي الأنموذج الأكمل للعدل والمساواة، لكنها تعتبر الشكل الأقرب لتحقيق مصالح الشعوب وبناء العدالة. فالديمقراطية هي نتاج إنساني وليست ألواحًا مقدسة نزلت من السماء، وهذا ما يسمح بإمكانية تطويرها وتعديلها وفق اجتهاد العقل الإنساني، وبما يناسب مصالح الناس وتغير الأحوال والأزمان.

* هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه ولا يعبّر بالضرورة عن رأي موقع تعددية *

 

مقالات الرأي المنشورة في تعددية تعبر عن رأي الكاتب/ة، ولا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة.

إعادة نشر أي مقال مشروطة بذكر مصدره "تعددية"، وإيراد رابط المقال.

جميع الحقوق محفوظة © 2024
تصميم وتطوير Born Interactive