الرجوع

تأملات في تجديد التعليم الديني

الخميس

م ٢٠٢٠/٠٢/٢٠ |

هـ ١٤٤١/٠٦/٢٦

تُعتبر قضية إصلاح التعليم الديني من الضروريات الراهنة، أمام تحدِّيَات العولمة التي هي وعدٌ ووعيد، والتي تتجاور فيها الحضارةُ والهمجية. فالعولمة اليوم تتميَّز بتَنامي الأحكام المقدَّمة، وبتعمُّق الجهل المقدَّس، أيْ جهل الإنسان بدِينه وبديانات الآخرين. وهو ما أنتَج ما سمَّاه المحلِّل النفساني "فرُويد": "نَرجسيَّة الفُروق الصغيرة"، التي تُنتِج تَشنُّجَ الهُويَّات، وتَزايُد الكراهِيَة والبغضاء بين المجموعات.

أيضًا يُعتبر إصلاح التعليم الديني اليوم ضروريًّا، لمواجهة الإرهاب والتطرُّف الديني. فالمناهج التعليمية الحاليَّة لم تنجح في تكريس الوفاق والتناغم، بل زادت المتديِّنين انقسامًا إلى طوائف ومِلَل، تدَّعي كلُّ فرقة منها أنها الفِرقة الناجية. وهو ما غذَّى الصراعات المذهبية والطائفية، وقدَّم للعالَم صورةً مشوَّهة ومُنفِّرة عن المتديِّنين/ات عمومًا. وهو أيضًا يستجيب لمستلزَمات الحقبة التاريخية وأخلاقياتها.

هذه الحقبة التي يسمِّيها الفيلسوف الفرنسي "إدغار موران": "الحقبة الكَوكبيَّة". وهو العصر الذي وعى فيه الإنسان ضَآلة كوكب الأرض في النظام الشمسي، وضآلَة الكوكب الشمسي في درب التِّبَانة، وضآلَة مَجرَّتنا في الكون، ومِن ثَمَّ ضرورة الالتفاف حول منظومة أخلاقية وروحيَّة، قادرة على تشكيل هُويَّة ثقافية مشترَكة، متعالِيَة على العِرق والجنس والثقافة والوطن، لمواجهة التحدِّيَات التي تُهدِّد وجودَ الإنسان وبقاءَه -على حدِّ قَوله-. فكوكب الأرض مُنخرِط في مَسار جهنَّميّ، قد يقُود البشرية إلى كوارث متوَقَّعة عبْر المَخاطر التي تُهدِّد الحياة، مِن تَلوُّث بِيئيّ ونَووِيّ وأزمات اقتصادية وعسكرية مدمِّرة.

إعادة النظر في التعليم الديني من حيث المفهوم والإستراتيجية والوسائل التنفيذية، أصبحت من المَهامِّ المطروحة على نُخَب اليوم. فالتعليم الديني -وإنْ كان من المبالَغ فيه اعتبارُه المسؤولَ الوحيد عن الانحرافات الجسيمة التي تُهدِّد العيش معًا-، يبقى أحد العوامل الرئيسية، التي تُحدِّد تصوُّرات الأفراد وسلوكيّاتهم في منطقتنا العربية.

في هذا الصدد، نُذكِّر بالمواقف المتناقضة حول مسألة التعليم الديني. فهناك مَن يرى أنَّ الدين قضية شخصية تعتمد على حرِّيَّة الضمير، ولا علاقة للدولة وللمؤسَّسات العمومية بها. فالتعليم الديني يَخلط أحيانًا بين الإيمان من جهة، والتديُّن كظاهرة اجتماعية. وهناك الطَّرَف المقابل، الذي يرى أن الدِّين ليس موضوعًا معرفيًّا، يمْكن إخضاعه للمَعايير العلمية والأكاديمية. فهو منظومة قواعد معيارية وعقائدية، غائيّاتها تَعبُّديَّة ودَعْوِيَّة، تحتكرها طبقة متخصِّصة، هدفُها الأسمى هو حماية عقيدة المسلمين.

اليوم، من الضروري برأيي تطبيق مَنهجيَّات علمية للإصلاح والتجديد، تعتمد على خطوات مَدروسة، وهي تحديد الغائيَّات والأهداف التربوية للتعليم الديني، وتشخيص مشاكل هذه المنظومة، بالاستئناس بمقارَبةِ مقارَنةٍ، تَدرس التجارب الغربية والشرقية في هذا المجال.

حاجة التعليم الديني أصبحت اليوم مُلِحَّة، إلى صياغة منظومة تَعلُّميَّة ودِيداكتِيكيَّة (متعلِّقة بفنِّ التدريس ومنهجيَّته) حديثة، تهتمُّ بالوسائل البيداغوجية، والتِّقنيّات السَّمعية والبصرية والمعلوماتية، التي تساعد المتعلِّم(ة) من جهة، وتُكوِّن الأساتذة من جهة أخرى. أمَّا على مستوى المضامين والمناهج، فمِن الضروري تدريس الأديان في مَساراتها التاريخية، وأبعادها السُّوسيولوجية والنفسية. وتستوجب هذه المقاربةُ توظيفَ أدوات الحداثة المعرفية، وهي: فلسفة الدين، وتاريخ الأديان المقارنة، والسوسيولوجيا الدينية، والأنثروبولوجيا الدينية، وعلم النفس الديني، واللِّسانيَّات، والفيلولوجيا، وعلم الأساطير، وعلم التأويل.

تخصيب التعليم الديني بهذه الأدوات المعرفية، يُدخِل النسبية في عقل الطالب، ويساعده على تَمثُّل الظاهرة الدينية بروح نقديَّة، تؤهِّله للمصالحة مع العصر ومع قيمه. فأوروبَّا مثلًا: لم تنتقل من عصر مَحاكم التفتيش، إلى التسامح الديني وحرية الرأي والبحث الأكاديمي، إلَّا بفضل اكتشافها لنسبية معتقداتها الدينية، عندما استطاعت مقارنتها بمعتقدات الشعوب الأخرى.

لقد شكَّل اكتشاف العالم الجديد في القرن 15 مَصدرًا للأنسنة، عندما جرى التعرُّف إلى دين الهنود الحمر، وطقوسهم وشعائرهم المتشابهة -من حيث الجوهر طبعًا- مع الديانات الأوروبية. وعندما تسلَّلَت روح مقارنة الأديان إلى المركزية العقائدية، تراجعَت النرجسية الدينية. وهكذا، شكَّل اكتشافُ الثقافات الأخرى أرضيَّةً خصْبَة للإصلاح الديني في القرن 16، والحداثة الفلسفية والعلمية في القرن 17، وازدهار الديمقراطية واحترام التعددية والغيرية في القرن 20.

جميع الحقوق محفوظة © 2022
تصميم وتطوير Born Interactive