الرجوع

الهَوس بـ"رُبَّما"

الجمعة

م ٢٠٢٢/٠٤/١٥ |

هـ ١٤٤٣/٠٩/١٤

هل سبق أن وقعتَ في ولع ترديد كلمات بعينها في أحاديثك؟ وهل جرى أن احتَلْت على النصوص لحظة الكتابة، بغية التقاط كلمة عالقة في ذهنك قبل إكمال رحلة التدوين؟ إن كنت فعلت ذلك، ففتش في تلك الألفاظ، فقد تخبرك بشيء يدور في العمق ويشكل ملامحك الداخلية. 

في عملي السابق كنت أتعثر دائمًا بكلمة "ربَّما"، ودون انتباه أجد نفسي أرددها بين كلماتي. أتذكر كيف كنت ألوذ بها لاإراديًّا، لكي لا أبدو جازمًا في التعبير عن الآراء حيال القضايا المختلفة. فكلمة "ربما" أصبحت "لَزْمَتي" اللفظية، التي صرتُ أرددها حتى مع المعلومات والأرقام المُتحقَّق منها، وأصبحت من الثوابت لديَّ، في حين يبقى غيرها -مهما بلغ صحته- نسبيًّا مقارَنةً بها. أيضًا أتذكر مديرتي السابقة التي لاحظت ذلك، وسألتني عن السر في امتلاء أحاديثي بـ"ربما" وأخواتها، من قبيل "قد يكون"، و"نسبيًّا"، و"إلى حد ما"، وغيرها. وتهربًا من عدم امتلاكي إجابة، قلت لها: قد يكون الأمر محض صدفة ليس إلا. 

لاحقًا، تذكرت كيف أن حالة عدم اليقين التي نعيشها، شكلت ملامحنا اللفظية بشكل دقيق. فمنذ بدء الحرب في اليمن لا يستطيع معظمنا أن يخطط لشيء، أو يجزم على القدرة على تحقيقه بنسبة كبيرة من التأكيد؛ إذ سياق الحياة المرتبط بالحرب مبني على الإخفاق المستمر. تبعًا لذلك، لا بد أن تحشد لغدك خيارات خطط كثيرة، لكي تظل في المساحة الآمنة، ولكون الخطط المثالية غالبًا لا تحدث. لذا، من الطبيعي أن تقف وبيدك حزمة من البدائل، تجعلك خارج تأثير الصدمة لحظة التعثر. 

عدم اليقين هذا انعكس على أحاديثنا، وصرنا نتحاشى الجوازم التي تبقينا دائمًا إلى جوار الألفاظ المحايدة، أو تلك التي لا تسبب الحرج إن وجدنا أنفسنا على غير ما قلناه حين جرفتنا الظروف. أيضًا تبدو الجمل الشرطية المتكررة البادئة بـ"إذا"، أو "إذا لم"، حاضرة في حضرة الوعود والإخبار بما سنفعل.   

أيضًا أتذكر في فترات الحرب الأولى هوَسي بعبارة "بيْد أنّ". كنت أتسلل بين الفقرات، لكي أضيف انعطافة على شاكلة "بيد أن". في البداية، بدا وقعها جيدًا على اللسان، لكني لاحقًا أدركت شيئًا من المضمر وراء هذا الهوس الشخصي بالمفردة. فمعظم ما أتعاطاه هو صنيعة الحرب، وتغطية الأخبار، وتحليل الأحداث، وتوقُّع السناريوهات لمسار معارك متعددة، وغيرها. كان في العمق أمنية انعطافة الأحداث نحو شيء مختلف يُخرج وقع الحروب عن سياقاتها، وكانت عبارة "بيد أن" محاولة لفظية خجولة تطفو على سطح النصوص، بوصفها إشارة تدفعني إلى التفكير في احتمالية كامنة يمكن أن تغير وجه القصة، أو تذكرني بأن مسار الأحداث ليس خطيًّا، بل قد يكون مغمورًا بانعطافة قريبة. 

وكما أن اللغة أوعية المشاعر والأفكار، فإن نمط التعامل مع مفرداتها وتكرار بعضها، يفسران مسار الحياة التي نعيشها، لتغدو اللغة بذلك كائنًا حيًّا يتفاعل مع الظروف من حولنا ويواكبها. فتصبح حادة في لحظات الأزمة، وتتجمل عباراتها في لحظات السكون والسلم. 

أتذكر حين عُدت أخيرًا إلى صنعاء بعد فترة غياب، وفوجئتُ بوجود حزمة جديدة من الألفاظ التي لم تكن متداولة من قبل، إذ تَحضر بينها الكثير من المفردات الحادة التي يقولها سائقو سيارات النقل، وعمال الدكاكين، ونادلو المطاعم الشعبية. والغريب أن الناس لا ينفرون منها، وتطبَّعوا على تحديث اللغة الذي أنتجته الحرب، وجعلته منتجًا اجتماعيًّا طبيعيًّا قابلًا للاستهلاك والتداول.

لا تُنتج الأزمات مآسي وضحايا فقط، بل تُنتج أيضًا مصفوفة كاملة من الألفاظ والتعابير، بيْد أن الأمل يبقى في لحظات السلم التي تأتي بحزمتها من الكلمات أيضًا، لتمحو لغة الحرب، وتُنتج خاصتها من المفردات.

الكلمات الدليلية

جميع الحقوق محفوظة © 2022
تصميم وتطوير Born Interactive