الرجوع

في مصر: تعاطف مع الجناة لا مع الضحايا

الإثنين

م ٢٠٢٢/٠٩/١٩ |

هـ ١٤٤٤/٠٢/٢٣

  1. توالت جرائم قتل فتيات مصريات في الشارع على مرأى المارّة والمسؤولين ومسمعهم حيث شهدت مصر في الشهور الماضية قتل الفتيات الثلاث (نيرة، وسلمى، وأماني) على يد شباب أرعن، بسبب رفض الفتيات الزواج أو الارتباط بهم.

    كانت الصدمة الأولى عند انتشار مقطع فيديو يظهر فيه مقتل "نيرة أشرف"، حيث لم يكتف القاتل بطعنها 18 مرة، بل أصر على ذبحها في مشهد داعشي وسط الشارع، دون أن يتحرك أحد لإنقاذها. بعد شهر واحد تكررت الصدمة، عندما قام أحدهم بقتل فتاة أخرى تدعى "سلمى"، زاعمًا بأنهما كانا في علاقة عاطفية، لكن الضحية قامت بإنهائها. صُورت هذه الجريمة الثانية في حالة من ذهول الحاضرين أيضًا، ثم تكررت الصدمة مرة ثالثة عندما قام أحد الشباب بقتل فتاة تدعى "أماني" للسبب ذاته، وهو رفضها الارتباط به. 

    ثلاث جرائم اعتصرت القلب، وطرحت العديد من التساؤلات حول أسباب انتشار العنف وحِدَّته، ولماذا يختار هؤلاء الشباب تلك الطريقة المسرحية لعرض جرائمهم وسط الشارع! ولكن، ما نقف عنده اليوم هو ردود الأفعال على تلك الجرائم، حيث نتذكر في حادثة "نيرة"، وبعد تسريب تفاصيل عن علاقة الجاني بها، تعاطفَ الكثير معه، وإيجادهم مبررات له رآها بعضهم دوافع قوية لقتلها دفاعًا عن كرامته واستردادًا لحقه. 

    أيضًا ظهر بعض من مشاهير السوشيل ميديا في بث مباشر، منهم من قامت بعرض الجريمة ومساواة الجاني بالضحية، وتسللت إلى قلوب المستمعين لاستعطافها عبر بيان صغر عمر الجاني، واستغلال الضحية لمشاعره وتعاليها عليه.  كذلك ظهر ما يُدعى بـ"ألتراس محمد عادل"، وتطوع محامين لجمع تبرعات لدفع الدية، مع العلم أن القانون المصري لا يعترف بأمر الدية. فتحولت الجريمة إلى "ترند" يتكسب منه الكثيرون ويتاجرون فيه، وخاض الجميع في سيرة الضحية. وذلك هو ما حدث أيضًا في جريمتَي سلمى وأماني، حيث خيَّمت حالة تعاطف واسعة، تمددت وتوسعت حتى بلغت إلى لوم الضحية المغدور بها على اختلاطها بالرجال، أو على تعرُّفها إلى الجاني من البداية، بل إنها وصلت إلى اتهام  الضحية بتدمير مستقبل الجاني عن عمد.

    ظاهرة التعاطف مع الجناة ليست جديدة في العالم. ففي كثير من الجرائم حول العالم، نال فيها الجاني التعاطف لوسامته، كما حدث مثلًا في قضية كاميرون هيرين الأميركي، الذي قام بقتل أم وابنتها، والذي عُرف بالمجرم الوسيم، حيث تغزلت فيه الكثير من السيدات حول العالم على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما عرَّفه بعض المحللين النفسيين بأنه مرض "هيبريستوفيليا"، وهو ظاهرة التعاطف مع الجناة والانجذاب الرومانسي والجنسي إليهم، كما هو الحال في عدة جرائم أخرى جرى رصد حالة التعاطف فيها. 

    ولكن، بعد متابعة سلسلة من الجرائم، وسط مجتمع تزداد فيه حدة العنف ضد المرأة، وينتشر فيها خطاب الكراهية وسط مجموعة المراهقين على السوشيل ميديا، لا يمكن حصر تفسير هذه الحالة في الانجذاب الرومانسي تجاه المجرم. وهو ما دفعنا إلى سؤال الطبيبة النفسية "نهال زين" عن تحليلها للمشهد، فأجابت: "لا يوجد قاعدة عامة نحكم بها على موجة التعاطف الحالية مع المجرمين، مع وجود دوافع مختلفة: كالشهرة، أو الانفراد بسلوك يدفعهم إلى الشهرة السلبية، أو حالة من النكران سببها عدم تحمل قسوة مثل هذه الجرائم، وعجز العقل البشري عن استيعاب بشاعتها، أو تَعوُّد إلقاء اللوم على الضحية بسبب الثقافة الذكورية للمجتمع". أضافت الطبيبة: "هناك أحد الاضطرابات التي يفقد فيها صاحبها التعاطف مع الآخرين، وهو ما يُعرف بالاضطراب المعادي للمجتمع (Antisocial Disorder Personality)، وذلك ما يفسر تلك السلوكيات، وهو ما يدفع أصحابها أحيانًا إلى السخرية والتنمر على الضحايا خاصة".

    تأتي هذه الجرائم في مجتمع قد يصنَّف معاديًا للمرأة بسبب نسبة العنف ضدها، وذلك بحسب تقارير أصدرها المركز القومي للمرأة في مصر، تشير إلى ارتفاع معدلات العنف ضدها بنسبة تجاوزت 30%. وهو ما قد يدفع بعض من يعانون العداء الاجتماعي إلى اختيار ضحية أسهل لممارسة الاعتداء عليها، بمنأًى عن أي مسائلة قانونية.

    تعيش المرأة المصرية بدون قوانين تحميها من العنف الأسري، لا بل ومع وجود قانون يبرر العنف ويُفلت الجاني من جريمته، حيث تنص المادة 60 من قانون العقوبات المصري: "لا تسري أحكام قانون العقوبات على كل فعل ارتُكب بنيَّة سليمة عملًا بحق مقرر بمقتضى الشريعة". وهو ما يبرر تأديب الزوجة مثلًا. وفي الثقافة الشعبية، تمتد الاستحقاقية في التأديب إلى الأم والأخت. لذا، نجد مَن يُبرر القتل، ويتعاطف مع القاتل تحت شعار "من حقه". فتترعرع الأفكار الذكورية بين الشباب، والتي تؤصِّل حق امتلاك الرجل تحديد مصير النساء في دوائره، داخل أسرته وخارجها. 

    المخرج الوحيد من النفق المظلم، هو تشريع قوانين رادعة تحد من خطاب الكراهية الفردي والمؤسسي، وتحاسب الإعلام والصحافة على تبرير العنف بوصفه تحريض على ممارسته. بعدها، يأتي دور المؤسسات الدينية والجهات المعنية، بهدف نبذ الأفكار العدائية تجاه المجتمع أو تجاه المرأة خاصة.

 

مقالات الرأي المنشورة في تعددية تعبر عن رأي الكاتب/ة، ولا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة.

إعادة نشر أي مقال مشروطة بذكر مصدره "تعددية"، وإيراد رابط المقال.

جميع الحقوق محفوظة © 2022
تصميم وتطوير Born Interactive