الرجوع

مأساة العاملات المنزليات في لبنان

الخميس

م ٢٠٢١/٠٥/٢٧ |

هـ ١٤٤٢/١٠/١٦

ازداد الانهيار الاقتصادي في لبنان تعمقًا مع مرور الوقت -منذ قرابة عام ونصف-، وانعكست تأثيراته على الشعب اللبناني ومُجمَل سكان هذا البلد، حيث طالت التأثيراتُ السلبية الشديدة مختلف الفئات والجنسيات، وخاصة تلك التي هي أكثر ضعفًا من لبنانيين محدودي الدخل، ولاجئين فلسطينيين، وسوريين، وعمال أجانب... والفئة الأخيرة (أي العمال الأجانب) تتضمن عاملات الخدمة المنزلية والتنظيف وما شابه، القادمات غالبًا من دول أفريقية وشرق آسيوية، من مجتمعات مُعوَزة. وهي فئة كانت تعاني منذ ما قبل الأزمة الحالية مشاكل عديدة، وتواجه انتهاكات جسيمة خلال عملها في لبنان.

قانون العمل اللبناني، كان وما زال رغم التطور الذي طرأ عليه بابًا واسعًا لتمرير الانتهاكات بحق هؤلاء النساء المستضعفات، المحرومات في كثير من الحالات الأجورَ العادلة أو حرية التنقل والحركة أو تحديد ساعات العمل أو الاستفادة من العطل الأسبوعية. وتَحفل سجلات المنظمات المعنية بتوثيق هذه الانتهاكات بحق النساء المتضررات، بعدد كبير من الحالات المتضمنة عنفًا معنويًّا أو ماديًّا أو تحرُّشًا جنسيًّا أو حالات انتحار مُريبة.

زاد كلُّ هذا -من حيث الكم والنوع- مع التراجع الفعلي لدخل المواطنين اللبنانيين، والحد الشديد من قدرتهم على دفع مرتَّبات هؤلاء العاملات التي تتراوح عادة بين 200 و600 دولار أميركي، في بلد وصلت فيه قيمة الحد الأدنى للأجور اليوم إلى ما يقارب 50 دولارًا تقريبًا.

على نحوٍ أشْبَه ما يكون بالمُصادفة، وفي مرحلة أولى، عملَت مؤسسة أديان -في إطار استجابتها لما حدث في انفجار مرفأ بيروت، وبالتعاون مع أصحاب النوايا الحسنة من أفراد ومؤسسات- على مساعدة 31 سيدة يحملن جنسية بلد أفريقي على السفر إلى بلادهن، بعد أن فقدن عملهن هنا وواجهن مرارة التشرد وشح الموارد. فجرى تحضير الوثائق والأوراق الرسمية المطلوبة بحسب القوانين المرعية، بالتعاون مع قنصلية بلادهن في بيروت والأمن العام اللبناني، وأُجرِيَت لهن فحوصات كورونا اللازمة للسفر، ودُفعت تكاليف الفحوصات المفروضة في بلد الوصول سلفًا، وكل ما هو ضروري من مواصلات وتكاليف سفر جانبية.

أتاحت هذه الفرصة عيش خبرة غنية، مَلْأى بما هو إيجابي وما هو سلبي. فرغم كل ما واجهته هؤلاء السيدات العاملات، استطاعت غالبيتهن الاحتفاظ ببسمة شبه دائمة على وجوههن، وقدرةٍ على التمييز بين من انتَهك حقوقهن في لبنان وسائر الشعب اللبناني، وتعبيرٍ عن الامتنان تجاه المساعدة البسيطة المقدمة لهن.

من جهة أخرى، كشفت هذه العينة الصغيرة من السيدات العاملات حجم الانتهاكات ونوعها، حيث عانت غالبيتهن عدم دفع رواتبهن منذ عدة أشهر. وفي حالة واحدة موثَّقة، لم تتقاضَ فيها إحدى العاملات أيَّ راتب أو بدل مالي لقاء 5 سنوات كاملة من العمل في منزل عائلة. وبدا على نحو واضح أن الانتهاكات المعنوية المتمثلة بالتصرفات والتعابير العنصرية بحقِّ أولئك العاملات مِن قِبل أرباب عملهن، كانت أشدَّ تأثيرًا وأعمق رسوخًا في ذاكرتهنّ، من تلك المتعلقة بطول ساعات العمل وحرمانهن الراتب على سبيل المثال.

كشفت أحاديثُ جانبية إلى بعض هؤلاء السيدات، ومشارَكةٌ في فيديوهات وصور عن بلدهن ومجتمعاتهن، حجم البؤس أو العوز الذي عشنه في بلدهن، وسطوة قوة الأمر الواقع هناك، وما تفرضه من شروط ونمط حياة على سكان بعض الأحياء والمناطق شبه الخارجة عن سيطرة الحكومة؛ ما قد يفسر جزئيًّا سبب قبول هؤلاء السيدات خوض مغامرة السفر والعمل دون أي ضمانات، سعيًا نحو حلم الحياة الكريمة لهن ولعائلاتهن.

اليوم، وعلى الرغم من عودة هؤلاء السيدات إلى بلدهن، وعودة ألوف أخريات غيرهن من بلدان مختلفة، فإنَّ قدوم سيدات عاملات جديدات لم يتوقف -وإنْ تَراجَع بشكل ملحوظ-، وبدا من خلال الخبرة الموصوفة آنفًا أن الانتهاكات لن تتوقف بدورها، ومِن ثَمَّ فإن سُبل مواجهتها ضرورية، ويمكن أن تجري على عدة صُعُد، مثل:

- التوعية في البلد الأصلي للسيدات العاملات بشأن ظروف البلد الذي ينوين السفر إليه وقوانينه، وطبيعة الحقوق التي سيتمتعن بها هناك، إضافة إلى المخاطر المحتملة، وتحديد الطبيعة الحقيقية للعمل. ففي هذا الإطار، كشفت بعضُ الشهادات أن بعض الأجهزة الحكومية والأمنية في بلدان النساء المعنيات، هي بالحقيقة جزء من شبكة تَستغل العمالة المسافرة لتحصيل ضرائب ورشاوى لا يستهان بها، وأنَّ مكاتب توظيف العاملات واستقدامهن تجني أرباحًا طائلة بغير وجه حق، بناءً على أكاذيب تُلفَّق للسيدات المتعطشات إلى العمل.

- تحديث القوانين لتتلاءم مع المشاكل الواقعية الحاصلة في بيئة العمل هذه، ولِتَحفظ حقوق العاملات وأرباب العمل، مع التركيز على تطوير أساليب تطبيق القانون وتعزيز فعاليتها، وضمان عدم انحياز المسؤولين عن تطبيقها إلى جانب مواطنيهم من أرباب العمل.

- دعم عمل المؤسسات والمنظمات المناهضة للعنصرية والداعمة لحقوق هؤلاء السيدات، وتجنُّب شيطنة عملها بدعوى إساءتها لصورة البلد. فأفضل طريقة إلى منع إساءة مماثلة، هي حماية الأكثر ضعفًا -مواطنًا(ة) كان أو أجنبيًّا(ة)-، وتحصيل حقوق عادلة له/ها.

- العمل المستمر على مناهضة العنصرية، والتوعية بشأنها، وتعزيز ثقافة حقوق الإنسان التي بدا أن كثيرين ما زالوا بعيدين عنها كثيرًا. إحدى السيدات العاملات قالت في شهادة لها: "لو أن ربة المنزل -حيث أعمل- كانت تعتبرني إنسانة مثلها من حيث الجوهر، لمَا عاملتني بهذه الطريقة، ولما حرَمَتني حقوقي الأساسية". إنَّ عمق القضية هنا متعلق بالكرامة الإنسانية ونوع النظرة إليها، أكثر من تعلُّقه بالحرية والحقِّ في أجر عادل.

مع ذلك، قد يكون من الأفضل جعل الموقف من العنصرية أكثر مرونة في حالات معيَّنة؛ إذ كثير من ثقافة العنصرية يأتي من التربية المنزلية والثقافة المجتمعية والفهم المغلوط لتعاليم دينية. ثم إنَّ تَحوُّل شخص ما من أن يكون عنصريًّا إلى معارض للعنصرية رافض لها، لا يمكن أن يجري بين ليلة وضحاها، ومِن ثَمَّ ليس من الضروري مهاجمة كل تصرُّفٍ "نصف عنصري" صدَر عن ذلك الشخص في مسيرة عبوره من ضفة العنصرية الشديدة إلى الضفة المقابلة، لأنه مَوقف متقدم بالنسبة إلى ما كان عليه قبلًا، وإنْ كان لا يرقى بالكامل إلى ما هو مطلوب. فالانتقاد الشديد هنا لتصرف يظن فيه صاحبه أنه أحرز به تقدمًا هائلًا، أو أنه بالِغُ الإنسانية ومُناصِر للعاملات - قد يعطي مفعولًا عكسيًّا لا داعيَ له.

جميع الحقوق محفوظة © 2021
تصميم وتطوير Born Interactive