الرجوع

الهوية الدينية والخنجر إذا فارق غمده

الثلاثاء

م ٢٠٢٥/١٢/٠٢ |

هـ ١٤٤٧/٠٦/١٢

كان سقوط نظام الأسد في سوريا قبل أكثر من عام، واحدًا من أكبر الفرص المفتوحة وغير الخاضعة لأي قيد أو رقيب، لاستعادة ذاكرات المظلوميات، وإعادة تعريفها وفهمها، وطرحها في المجالات العامّة للتعرف إليها ونقاشها. مُنحت تلك المظلوميات -وما زالت- مساحةً واسعة بعد الحدث السوري الأكبر. بعضها استحقَّ مكانًا أكبر للتعبير بشتى أنواعه، وبعضها في حاجة إلى ضبط الشطط والمبالغة أو حتى إلى التزييف. 

كانت ذاكرة أحداث حماة ومجزرتها، وما رافقها عبر الجغرافيا السورية من قمع لتنظيم الإخوان المسلمين، وأيضًا حوادث خلع الحجابات التي مارستها قوى عسكرية سورية حينها في شوارع سورية - من أكثر الحوادث تأثيرًا، إذ لم يقِلَّ أثرها غير الفردي، والممتد جغرافيًّا وزمنيًّا، عن المجزرة ذاتها التي قُتل فيها بدمويّة مفرطة آلافُ المدنيِّين. 

في خلع الحجاب، الذي لم يكن سلوكًا عامًّا مكررًا (نمطًا)، كما هو القتل والتعذيب في السجون، وما إلى ذلك من أنماط سلوكية اتسم بها نظام الأسد - برز بوضوح استهدافٌ للهويّة الدينية، وهتكٌ لمُحرَّمِيّة الجسد، التي هي جزء من تلك الهويّة بطبيعة الحال أيضًا.

عبر التاريخ، كان استهداف المظهر الديني، وعلائم الهويّات الدينية، والمعالم العباديّة، من أكثر الأساليب القمعيّة الاستئصالية، التي استوجبت -نتيجةً لها- انتقامات عنيفة، ولو بعد سنين طويلة. وبذلك، زرَعت تلك الأساليبُ أقوى البذور على استنبات الكراهية، وجعْلِها -وإن بشكل غير مباشر- نظامًا سائدًا في التعامل الاجتماعي بين المكونات المتناحرة. وليس بعيدًا عن آليات صناعة الكراهية بين المكونات في سوريا، والتي كان نظام الأسد -بلا شك- مبدعًا في تكوينها واستمراريتها، من محض قصد أو بَلاهة أو كليهما -لا يهم-؛ أنَّ أيَّ سلوكيات تستهدف إذلال الآخر بناءً على طريقته في التعبير الديني أو الهوياتي بالعموم، بقلائد أو إشارات أو وشوم أو تسريحة شعر أو لحية وشارب، أو طريقة لباس أو طريقة حديث أو جمل مكررة أو لهجة – تبدو اليوم بصفتها ممارسات تُعيد بث الروح في محرّكات صناعة الكراهية نفسها، وتنتمي إليها بشدّة كلُّ الممارسات التي تستهدف أيَّ ضريح لشخصية ذات اعتبار أو مكانة دينية لدى أيِّ مكوّن كان. 

إن الخوف من التعبير الهوياتي اليوم في سوريا، سواء بإخفاء الرموز أو حتى بادِّعائها، بهدف الحماية أو حتّى التكسّب، أنما هو واحد من أوضح الصور على استمرار الإعاقة الاجتماعية الإنسانية، التي كانت -ولا تزال- سمة من سمات الحياة السوريّة والعلاقة بين المكوّنات، تلك العلاقة التي طالما جمّلَتها الشعارات المفرغة من مضمونها. 

إن من يلبسن الحجاب اليوم حمايةً لأنفسهنّ من الخطف أو الإساءة، إنما هن شريكات اللّاتي جرى نزع حجابهن بيد فصائل رفعت الأسد مَطْلع الثمانينيّات. ومَن يُزيّف لهجته خوفًا من وضوح انتمائه الديني أو الجغرافي، فإنما هو ضحية مشابهة لمن كان لسانه أو صَلاتُه أو لحيته تهمةً تقوده إلى زنازين صيدنايا، ولا تختلف هنا سوى لهجة الجاني. تلك مسألة لا تحتمل أصلًا المقارنة بعدد الضحايا، أو حجم الانتهاكات وطبيعتها التفصيلية، إنما هي قضيّة تتطلّب تكريس سياسة جديّة واضحة تُجرّم الممارسات التمييزيّة والانتهاكات بشتّى أنواعها. وقبل أيِّ مسعًى استثماري اقتصادي أو تعويم خارجي، لا معنى لأيِّ جهد في بناء نظام دولة مستقرة، ما لم يكن الأساس هو حماية الفرد حماية تامّة، وحماية حقّه الكامل المَصُون في التعبير عن هويّته الدينية والفكريّة والجغرافيّة.

في الغرب، أو في بعض الغرب، يَغلب الجدلُ حول سياقات حريات التعبير الديني والهوياتي وأشكالها أيَّ جدل آخر، ويتجاوز ذلك الجدلُ في أهميّته وحساسيّته أيَّ قضايا ذات طبيعة اقتصادية أو خدميّة أساسيّة ذات أثر مباشر في حياة المواطن، خاصة في المناطق والبلدان ذات التنوّع الإثني والديني. تنبع هذه الأهمية من كون البنى السياسية والاقتصادية والخدميّة قائمةً أساسًا قبل كل شيء على الاستقرار والعدالة الاجتماعية، التي أُسُّها الأوّل حرية التعبير عن الهويّة. ففي مونتريال الكنديّة على سبيل المثال في عام 2001: أثارت قضية سمّيت "Multani" جدلًا واسعًا، اصطدمت فيها الرؤى والمحاكم والنظريات. بطَلُ القضية خنجرٌ يدعى "الكربان"، كان يحمله طفل بعمر 12 عامًا، ينتمي إلى طائفة السيخ، حيث وقع منه في باحة مدرسته. فمنعت المَدرسةُ الطالبَ من حمل الخنجر تبعًا لقانون منع السلاح في المدارس، في حين اعترض أهالي الطفل، لكون ذلك الخنجر جزءًا من هوية المظهر الديني. استمرّ تداوُلُ القضية بين المحاكم الكنديّة خمس سنوات، وازدادت حساسيتها بعدما أيّدت محكمة الاستئناف في كيبيك قرار المدرسة بمنع الخنجر. لكن المحكمة الكنديّة العليا نقضت القرار كلّيًّا لمصلحة الطفل، ورخَّصَت حمل الخنجر بشرط عدم إخراجه من غمده، وتثبيته باللباس بطريقة لا تتيح استخدامه، مقابل إبقائه واضحًا بصفته رمزًا دينيًّا. 

من الحجج التي استندت إليها المحكمة العليا في قرارها إتاحة حمل الخنجر، هو أن في كندا لم تشهد أيَّ مدرسة سابقًا أن طالبًا من السيخ أخرج خنجرًا من غمده، وتَسبب فيه بأي ضرر بحق زملائه أو مدرسته. أيضًا من الواضح أن هذا الحكم كان استكمالًا لحالة السِّلم تلك، إذِ المنع أو الأذيّة الروحيّة أو خدش الهويّة، هو السبب الأعظم الذي قد يتسبب بخروج الخنجر من غمده. ومن المعروف من تجارب الدول، التي خاضت صراعات وحروبًا أهلية، أن خنجرًا واحدًا يَخرج من غمده، يمكنه إشعال فتنة أو معركة لا ينفع معها لا منظومةٌ اقتصادية متماسكة، ولا سياسة خارجية ناجحة. فهوية الفرد هي الوحيدة القادرة على صون هويّة الدّولة، وبدونها لا معنى لتلك الهويّة، إلا في تلك اللافتات، التي يَعْرف الشعب السوري -أكثر من غيره- أنها قماش سريع التلف. 

مقالات الرأي المنشورة في تعددية تعبر عن رأي الكاتب/ة، ولا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة.

إعادة نشر أي مقال مشروطة بذكر مصدره "تعددية"، وإيراد رابط المقال.

جميع الحقوق محفوظة © 2026
تصميم وتطوير Born Interactive
معلومات ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين التنقل في الموقع وتحليل استخدام الموقع والمساعدة في جهود التسويق. تحقق من سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا للحصول على التفاصيل.

إعدادات الخصوصية

حدد ملفات تعريف الارتباط التي تريد السماح بها. يمكنك تغيير هذه الإعدادات في أي وقت. ومع ذلك، يمكن أن يؤدي هذا إلى عدم توفر بعض الوظائف. للحصول على معلومات حول حذف ملفات تعريف الارتباط، يرجى الرجوع إلى وظيفة المساعدة في المتصفح الخاص بك.
تعرف على المزيد حول ملفات تعريف الارتباط التي نستخدمها.

ضروري
وظائف
تحليلات
تسويق

هذا الموقع سوف:

  • يتذكر إعداد إذن ملفات تعريف الارتباط
  • يسمح بملفات تعريف الارتباط للجلسة
  • يجمع المعلومات التي تدخلها في نماذج الاتصال، والنشرة الإخبارية والنماذج الأخرى عبر جميع الصفحات
  • يساعد على منع هجمات التزوير (CSRF) عبر الموقع
  • يحافظ على حالة جلسة الزائر عبر طلبات الصفحة
  • تذكر إعدادات التخصيص
  • يتذكر الإعدادات المحددة
  • يتتبع الصفحات التي قمت بزيارتها والتفاعل الذي اتخذته
  • يتتبع حول موقعك ومنطقتك على أساس رقم IP الخاص بك
  • يتتبع الوقت الذي تقضيه في كل صفحة
  • يزيد جودة بيانات وظائف الإحصاء
  • يستخدم المعلومات للإعلان المخصص مع أطراف ثالثة
  • مح لك بالاتصال بالمواقع الاجتماعية
  • يحدد الجهاز الذي تستخدمه
  • يجمع معلومات التعريف الشخصية مثل الاسم والموقع

هذا الموقع الإلكتروني لن:

  • يتذكر إعداد إذن ملفات تعريف الارتباط
  • يسمح بملفات تعريف الارتباط للجلسة
  • يجمع المعلومات التي تدخلها في نماذج الاتصال، والنشرة الإخبارية والنماذج الأخرى عبر جميع الصفحات
  • يساعد على منع هجمات التزوير (CSRF) عبر الموقع
  • يحافظ على حالة جلسة الزائر عبر طلبات الصفحة
  • يتذكر إعدادات التخصيص
  • يتذكر الإعدادات المحددة
  • يتتبع الصفحات التي قمت بزيارتها والتفاعل الذي اتخذته
  • يتتبع حول موقعك ومنطقتك على أساس رقم IP الخاص بك
  • يتتبع الوقت الذي تقضيه في كل صفحة
  • يزيد جودة بيانات وظائف الإحصاء
  • يستخدم المعلومات للإعلان المخصص مع أطراف ثالثة
  • يسمح لك بالاتصال بالمواقع الاجتماعية
  • يحدد الجهاز الذي تستخدمه
  • يجمع معلومات التعريف الشخصية مثل الاسم والموقع

حفظ وإغلاق