يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين التنقل في الموقع وتحليل استخدام الموقع والمساعدة في جهود التسويق. تحقق من سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا للحصول على التفاصيل.
حرية بلا عدالة هوية بلا معنى
لم يشعر المبعوث الأميركي إلى المشرق -وهو المتواضع ثقافيًّا على ما يبدو إلى درجةٍ تجعل من تعليقاته شخصًا طريفًا في أغلب الأحيان- بأنّه في حاجةٍ إلى حدّ أدنى من المعرفة، لكي يبرر قوله بأنّ لبنان "دولة فاشلة". لقد شعر بأنّ قولًا مثل هذا متاح، فأطلقه وابتسم للكاميرات، ثم عاد وأطلق سلسلة من التعليقات الاستشراقية الأخرى. ومِن باب الأمانة، قد يكون مصطلح الاستشراق فضفاضًا ومبالَغًا فيه. فالدولة مسألة معقدة بين اللبنانيين أنفسهم. وفي السائد، إنّها مكان تُثبت فيه الطوائف حُظْوَتها على منافسيها من الطوائف الأخرى، وليست مَوضِعًا للنقاش في القيم الأساسية، مثل: الحرية، والعدالة، والحق، والكرامة.
أين الدولة؟ وما هي؟ ليس هذا مزاحًا، بل سؤالًا يحتاج إلى إجابة. فبعد عقودٍ على الاستقلال، تبدو الإجابة عصيَّة على الكثير من اللبنانيين. ومع أنّ الدولة موجودة هيكلًا وأُطُرًا، وتحاول النهوض، إلا أنّ المشكلة لا تبدو مع الأشخاص الذي يوجدون في داخلها، إنما مع المفهوم في حد ذاته. ويبدو أنّ ثمة عوامل تؤثر في علاقات كل من الجماعات المجتمعة في الكيان اللبناني بهذا المفهوم، صعودًا وهبوطًا، أو قبولًا وتراجُعًا.
البحث في هذا الخلل يُحيل دائمًا إلى خطر الانزلاق نحو تمييزٍ قد لا يكون مستحبًّا. المفارَقة هي أنّ المقارَبات الرائجة ضدّ الطائفية ما زالت مقاربات طائفية في جوهرها، وأنّ المقارَبات الطائفية قد تكون أحيانًا مَدخلًا معقولًا إلى مقاربات غير طائفية. فالعاديُّون من اللبنانيين، الذين لم يصبحوا رجال أعمال نافذين، يملكون تعريفات متنوعة لمصطلح الدولة، لكنها كافية لبناء تَصوُّر عن الجهاز البيروقراطي الذي يدير علاقاتهم. لم يَرُقْهم عمومًا أن يخرج الكلام عن "دولة فاشلة" من المُستعمِر، مع أنّهم يردِّدونه فيما بينهم طوال الوقت. وأما النخب، فقد حاولوا بِدَورهم بدايةً من وزير الثقافة الحالي، الذي وضع كتابًا مرجعيًّا في حقبةٍ سابقة عن ضرورة الالتفات إلى قيام "عقد اجتماعي جديد"، ووُصولًا إلى عشرات الفاعلين المجتمعيين. ولكن، لا تستطيع أصواتهم اختراق صروح التعبير في العالم النيوليبرالي الجديد.
على أي حال، المبعوث ليس على حق. فالدولة اللبنانية لم تنهَرْ بسبب الحروب المتتالية، بل أعيد إنتاجها في الفترة التي أعقبت الحرب، بصفتها دولة مُسَيّجة بشروطٍ اقتصادية جديدة، جعلَت مقوماتِ الحياة والتفكير -وتاليًا الحرية- بالنسبة إلى كثيرين، أمرًا يكاد يكون مستحيلًا. وبعيدًا عن التصريحات الرتيبة، فإنّ استبعاد النقاش الاقتصادي بصفته نقاشًا مؤسّسًا في العدالة، لا يسهم إلا في تعزير الانكفاء المتواصل خلف هويات مغلقة؛ ذلك أنّ النقاش الاقتصادي يجب أن يكون حقيقيًّا، وألَّا يتفادى حساسية أصحاب المصالح المالية الكبرى. الدولة -ليس في لبنان وحسب، بل في عالَمٍ تُهيمن عليه اللاعدالة- تعمل بوصفها سُلطة مموَّهة، أو غطاءً يُخفي مراكز اتخاذ القرارات الأساسية. إنّ ظروفًا مثل هذه، تجعل قيام عقد اجتماعي متوازن أمرًا في غاية الصعوبة.
ثمة أزمةٌ في الطوائف وفي الهويات، ولا يمكن تجاهلها. لكنْ في موازاة ذلك، يعتقد كثيرون أنّ الحرية الدينية مسألةٌ غير مرتبطة إطلاقًا بالنقاش الاقتصادي، وأنّ هذا النقاش مؤجل. عمليًّا، النظام الاقتصادي القائم هو السبب الفعلي في تكريس أشكال بيروقراطية جديدة، تُعزز الرقابة، وتجعل الإنسان عرضةً للتحول إلى مؤشر رقمي في حسابات تجارية؛ أيْ إلى شخص بلا أي هوية حقيقية. أمَّا العنف، فلا يَنتج من التضارب في الهويات الدينية المتعددة، إنما من التضارب مع النظام الذي يدير علاقات حملة هذه الهويات، أو بِالْحَرَى مع ما يعتقد هؤلاء الأشخاص بشأن الهويات التي يحملونها. ومِمَّا يجمعهم: الطاعة العمياء للنظام المالي السائد، والامتناع من المطالبة بتحسينه، إن لم نَقُل بِتغييره.
في المقارَبات المعاصرة للعلاقة بين النيوليبرالية والدولة، لا يمكن اختزال النقد للطبيعة الذيلية للعلاقة -التي تَفرضها الشروط الاقتصادية على المواطنين في كيانٍ يتخيّل نفسه سياديًّا- في التفسير الاقتصادي الجاف؛ أيْ في تصنيف الأفراد بين دائنِين ومَدِينِين. وإنما يجب مقاربة المسألة بوصفها تحليلًا دقيقًا للطريقة التي تعمل بها السُّلطة في عالمنا. فهذه العلاقة التي تُنتج إنسانًا مَدِينًا، ليست مجرد ظرف اقتصادي (مرحلي أو تِقني)، بل هي أحد هياكل النظام الأخلاقي الذي يقوم عليه العالم اليوم، والذي يلعب دورًا رئيسيًّا في تَصوُّر المواطَنة، وفي تصوُّر المُواطن لذاته. وتاليًا، يُعيد هذا النظام تشكيل الدولة بصفتها مفهومًا ناظمًا للعلاقات، ويسهم في إفراغ الهوية من المعنى، عبر الإمعان في القضاء على المساواة.
لا يمكن التفكير في الهويات المعاصرة من دون التفكير في الدور الاقتصادي الضاغط على تَشكُّل الهويات، ولا يمكن النظر إلى الهوية الدينية بوصفها تجارب روحية تقوم: إمَّا على التربية، وإما على التجربة الفردية. تَستند هذه المقاربة إلى ثنائية اختزالية، تستبعد الحضور العنيف لِلدِّين، واللامساواة الآخذة في التفاقم، والتي أصبح تقريبًا قبولُها رائجًا ومُسوَّغًا، إلى درجة أنّ المنظومات القيمية الدينية المعاصرة –من دون تعميم– تكاد تُفرط في تجاهل التفاوت الهائل بين البشر. إنّ المعركة من أجل حرية المعتقد، ليست واقعية من دون أن تُخاض بالتوازي مع معركة العدالة والمساواة. أمَّا الدولة، فليست فاشلة، لكنْ بِبَساطة، المبعوث الأميركي ليس مهتمًّا بالنقاش في قيمة العدالة.
مقالات الرأي المنشورة في تعددية تعبر عن رأي الكاتب/ة، ولا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة.
إعادة نشر أي مقال مشروطة بذكر مصدره "تعددية"، وإيراد رابط المقال.