الرجوع

زوجات مخدوعات تحت رعاية القانون

الخميس

م ٢٠٢١/٠٥/٠٦ |

هـ ١٤٤٢/٠٩/٢٥

في مصر، يمكن للزوجة أن تصحو على خبر زواج زوجها من امرأة أخرى منذ عدة سنوات، وقد يكون له أبناء لا تعلم عنهم شيئًا! كثير من الزوجات المخدوعات يعشن في مصر، ولا يعلمن بالزواج الثاني لشريك حياتهن، وبعضهن يصِلُهنَّ الخبر بعد وفاة الزوج. أثير النقاش على السوشيال ميديا في مصر أخيرًا بشأن قضية تعدد الزوجات، من حيث القوانين والآراء الشرعية، وعرض شهادات الكثير من الزوجات اللاتي يعشن في جحيم يوميًّا بسبب هذا الأمر. المشترك بينهن جميعًا هو حدوث الأمر الواقع، والذي عليهن أن يتعاملن معه.

في بداية الأمر، علينا أن نتعرف إلى القوانين في مصر، حيث إنَّ مِن حق الرجل المصري الزواج بأخرى أو أكثر (بالحد الأقصى أربع زوجات)، فمثلًا: يمكن للزوج طلاق واحدة من زوجاته الأربع، ثم الزواج بأخرى لاستكمال العدد الأقصى المسموح به. وأيضًا في القانون المصري، من حق الزوج الزواج بأخرى دون إعلام الزوجة الأولى أو الزوجات الأخريات، ومن دون موافقتها(نّ) بطبيعة الحال؛ ما يترتب عليه إخفاء أمر الزواج الثاني سنين طويلة، وعَيش الزوجة الأولى في خداع تحت رعاية القانون، إضافة إلى جانب شديد الأهمية أنه لا رقابة هناك ولا ضوابط للشرط الشرعي، وهو العدل بين الزوجات، بل ولا يُعتدُّ بهذا الأمر في طلب الطلاق من المحكمة للضرر الواقع عليهنّ، إذ الأمر متروك لتقدير القاضي فقط.

ولمّا كُنّا ذكرنا الشرط الشرعي، ولمَّا كان الدين الإسلامي هو المصدر التشريعي الرئيسي لقانون الأحوال الشخصية والذي يشمل التعدد، فهناك العديد من الآراء التي تجتمع على عدم شرط إعلام الزوجة الأولى أو أخذ موافقتها على الزواج الثاني، بل بعضهم يحرِّمون عليها طلب الطلاق لذلك، ويصفونه بالخروج عن طاعة الزوج. ولكن، لدار الإفتاء المصرية موقف إنساني، على الرغم من فتواها المشابهة للآراء السابقة. فهي تدعو الرجال إلى الرأفة بالزوجة الأولى، بإعلامها بالأمر، وترك حرية الاختيار لها إما في قبول الواقع أو طلب الطلاق. وأيضًا تدعو دار الإفتاء المصرية إلى البحث عن حلول لا تهدم الزواج الأول بسبب الزواج الثاني، لِمَا قد يكون من عِشْرة طيِّبة بين الزوجين. الأهم برأيي أن للإمام الأكبر أحمد الطيب رأيًا مهمًّا في التعدد، حيث يرى أن هذا الموضوع لم يأت في آية منفصلة، بل إنه جاء مشروطًا بقضية اليتامى، للحدِّ من فوضى التعدد في المجتمع العربي قبل الإسلام. 

واستشهد الطيب بما ذكره الإمام محمد عبده (1849-1905) بشأن التعدد، من أن إباحة تعدد الزوجات فى الإسلام أمر مضيَّق كأنه ضرورة من الضرورات، التي تُباح للمحتاج إليها بشرط الثقة بإقامة العدل. أيضًا يضيف الإمام محمد عبده: "وإذا تأمل المتأمل، مع هذا التضييق، ما يترتب على بعض صور التعدد فى هذا الزمان من المفاسد، جزم بأنه لا يمكن لأحد أن يربِّي أمَّة فشَا فيها فوضى التعدد. ولو شئتُ تفصيل الرزايا والمصائب المتولدة من فوضى تعدد الزوجات العاري من العدل، لأتيتُ بما تقشعر منه جلود المؤمنين، فمنها السرقة والزنا والكذب".

ويرى أيضًا الإمام محمد عبده مفتي مصر: "أما جواز إبطال هذه العادة، -أي عادة تعدد الزوجات- فلا ريب فيه... أوَّلًا: فلأن شرط التعدد هو التحقق من العدل، وهذا الشرط مفقود حتمًا، فإنْ وُجد فى واحد من المليون فلا يصح أن يُتخذ قاعدة، ومتى غلب الفساد على النفوس، وصار من المرجَّح ألَّا يَعدل الرجال في زوجاتهم، جاز للحاكم أن يمنع التعدد أو للعالِم أن يمنع التعدد مطلَقًا مراعاةً للأغلب. وثانيًا: قد غلب سوء معاملة الرجال لزوجاتهم عند التعدد، وحرمانهنّ من حقوقهن في النفقة والراحة، ولهذا يجوز للحاكم وللقائم على الشرع أن يمنع التعدد دفعًا للفساد الغالب. وثالثًا: قد ظهر أن منشأ الفساد والعداوة بين الأولاد هو اختلاف أمهاتهم. فإنَّ كل واحد منهم يتربى على بُغض الآخر وكراهته، فلا يبلغ الأولاد أشُدَّهم إلا وقد صار كل منهم مِن أشد الأعداء للآخر، ويستمر النزاع بينهم إلى أن يخربوا بيوتهم بأيديهم وأيدى الظالمين. ولهذا يجوز للحاكم أو لصاحب الدِّين أن يمنع تعدد الزوجات والجواري صيانةً للبيوت عن الفساد" (الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده).

فعلى الرغم من أن هناك دعوات إلى منع تعدد الزوجات في مصر -كما هو الحال في بعض الدول العربية-، إلا أن هناك أيضًا سبيلًا آخر إلى تحسين الأوضاع، والذي تُلزم الزوج بإعلام الزوجة، وعلى أن يجري الزواج الثاني في المحكمة مع حضور الزوجة الأولى لضمان موافقتها وقبولها، ثم محاسبة الزوج في حالة خداع الزوجة الأولى أو الثانية بشكل قانوني، يحفظ حقوق النساء ويحميهن من الوقوع فريسة الخداع والاستغلال.

اليوم، نرى الزوجات المخدوعات يعانِين مع أُسَرهن ضررَ القوانين الحالية، والتي تُغفل الجانب الإنساني والحقَّ القانوني للمرأة، في أن تعيش في مأمن من الخيانة والغدر والخداع. المطالبة بقوانين منصفة للمرأة قد يصطدم بكثير من عادات وأعراف ترسخت بمرور الزمن، إلا أنا تبقى مطالبة محقة، لها ما تستند عليه إنسانيًا ودينيًا.

مقالات الرأي المنشورة في تعددية تعبر عن رأي الكاتب/ة، ولا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة.

إعادة نشر أي مقال مشروطة بذكر مصدره "تعددية"، وإيراد رابط المقال.

جميع الحقوق محفوظة © 2024
تصميم وتطوير Born Interactive