الرجوع

أحلام مسروقة

الخميس

م ٢٠٢١/٠٤/٢٢ |

هـ ١٤٤٢/٠٩/١١

هل أكتب؟ وما نفع الكتابة؟ من سيقرأ؟ مِن بين القلّة الذين سيقرؤون، سيتأثر بعضهم بضع دقائق ويمضي. سيبقى الألم وحده هنا، ينتظر من يراه…

كان السؤال بسيطًا في بداية جلسات تدريب مئتي سيّدة وصبيّة من مناطق "محرومة" في لبنان. سألتهنّ: "ما حُلمكنّ في الحياة؟". ففُتحت أبواب الألم على مصراعيها. كثيرات تَعجّبن مِن سؤال لم يُطرح عليهن يومًا. ومَن طلبن وقتًا للتفكير في شيء، أو تَشجّعن على المُشاركة في أحلامهنّ، مزجْنَ الـ "أنا" بأولادهنّ: "لا أحلام لي، بل لأولادي. أريدهم أن يتعلّموا وأن يَعملوا، وأن يكونوا بخير".

ولكن أنتِ، الكائن الكامل، الإنسان، الفرد، ما حُلمكِ؟ أصْرَرتُ. انهالت الإجابات، ومعظمها جواب واحد: الاستقلاليّة. ومن الإجابات: "أحلم بنيل شهادة الصف التاسع"، لماذا؟ "لكي أتخصص، وأُؤمِّن عملي، وأتّكل على نفسي، وأُعيل عائلتي". "أحلم بامتلاك بيت"، لماذا؟ "لكي أكون مستقلّة، ومسؤولة عن نفسي، ولكي لا أحتاج إلى مُعيل". "أحلم بتأسيس عملي"، لماذا؟ "لكي أعيل نفسي وأولادي، ولأعطيهم فرصة العلم"... الاستقلاليّة والخِيار والاتكال على الذات والعلم والعمل والإنتاجية، حاجات بسيطة وكونيّة، يشعر بها كل إنسان، رجلًا كان أو امرأة.

مرّت الأسابيع، وتعرّفتُ إلى قصص أولئك النساء. قصص قضّت مضجعي. لا أعلم كيف وَجدنَ الأمان لفتح قلوبهنّ. القِصص متنوّعة ومتشابهة ومؤلِمة. قصصٌ تتردّد في العديد من الزواريب والقُرى والمدن حول العالم. منها: قصّة امرأة مُعنَّفة من أخيها ووالدها وزوجها. زوَّجها ذَوُوها وهي قاصر. بدأتْ حياتها ابنةً لأبيها "فلان" -مهْما كان اسم الأب-، فصارت عِرضه وشرفه وحِمله، لتصبح سريعًا "زوجة فُلان" (مَهْما كان اسم الزوج)، ومِن ثَمَّ عِرضه وشرفه وحِمله. ثم أصبحت "أمّ فلان" (مهْما كان اسم الولد الذَّكَر، سواءٌ وُلِد أو لم يولد). فاسمها ثانويّ، ودورها الاجتماعيّ أهمّ بوصفها ابنة أو زوجة أو أمًّا، حتّى إنَّ دورها بوصفها أمًّا هو الحبل والرّضاعة أوّلًا. هي قالب، وشرٌّ لا بدّ منه لتكاثر البشريّة. موقعها باعتبارها إنسانًا غيْرُ مرئي، وأحلامها باعتبارها إنسانًا غيْرُ مرئية.

"أريد منكِ المساعدة. تُوفيت والدتي في ظروف غامضة، وكان عمري ٣ سنوات. وضعني أبي في ميتم أُمضي فيه كل السنة، أُضرَب وأُعَنَّف. قُتل أبي بانفجار قُنبلة. عندما بلغتُ الثالثة عشرة قررت عائلتي تزويجي من رجل يكبرني سنًّا. والنتيجة خمسة أولاد من زوج معنِّف، لا يعمل ولا يسمح لي بالعمل. نتعيَّش من المساعدات، وأحيانًا من عمل ابني المراهق".

يُخبرني بعضهم أن أولادهم يتعاطون المخدرات، ولا يعرفون ما العمل.

"ابني الأصغر لا يترك الشارع، ويُعاشر أبناء السوء. أُحاول دعمه للتركيز على دروسه دون جدوى".

"ابنتي الجميلة لا أعرف كيف أتحدّث إليها في شؤونها، فأنا لم أنل حظًّا من العلم والثقافة". 

"ماذا أفعل ليخرج أبنائي من الشارع؟".

"مع وجودي في المستشفى بسبب جروحي الناتجة من تعنيف زوجي لي، كان يدخل غرفتي ويضربني على فراش الألم". وصرَّحَت إحدى المنسقات بالقول: "تلك الصبيّة الثائرة التي تُشارك بشغف، سوف تُضرب عقابًا من أخيها عند عودتها للمنزل، لأنّها خرجت". ذلك فيضٌ من غيض، من قصص أولئك النساء، ومن ملايين النساء في العالم، اللاتي أُعطين أدوارًا لم يخترنها. مُنعنَ من الحُلم، ومن الاختيار. قيل لهُنّ إن المرأة المُستقلّة فاجرة، وإن الحفاظ على شرف ذكور العائلة يقع عليها حصرًا، وإنّها ضعيفة، جاهلة، وشيطان يجب تحجيمه.

بعد إنهاء أحد أيّام التدريب، بدأت طرقات المدينة تشهد تظاهرات وإشعال إطارات. على بُعد ٢٠ مترًا من المركز رأيتُ مجموعة أطفال، أصغرهم يبلغ الرابعة وأكبرهم الثالثة عشرة، يحرقون الدواليب ويمنعون السيارات من المرور، وهم يتضاحكون، حيث طَلب منهم بعضُ الراشدين المختبئين بالقرب منهم فعل ذلك. وكلّما حاولتُ تغيير مساري، رأيتُ المشهد نفسه في تلك الأحياء الفقيرة. أطفال قد يكون بعضهم أبناء أولئك النساء اللواتي يطالبن بالعلم والعمل وأبسط الحقوق لهن. يلعبون اليوم، ويحملون السلاح غدًا.

بكيتُ، بكيتُ ضحايا العنف الهيكلي، والعنف الثقافي من نساء وأطفال. بكيتُ الفقر المُمَنهج والمدعوم سياسيًّا. بكيتُ نساءً سُرقت أحلامهنّ البسيطة، لأنّهنّ نساء فقط. بكيتُ أدوات الحرب على النساء من عادات وتقاليد وتفسير مشوّه للدين وخوف وكره. 

بكيتُ شعورًا مني بالذنب، لأني وُلدت في مجتمع قريب منهُنّ، اعتَرَف بإنسانيتي. فتعلّمتُ، وعملتُ، وأسستُ عائلة، وربّيتُ، وشعرتُ بدوري الاجتماعي إلى جانب دوري النسويّ. بكيتُ لأنّه لو كان حظي مُختلفًا، لكان يمكن أن أكون إحداهُنّ: طفلة إنسانة، سُرِقت منها أحلامها البسيطة وكرامتها البشريّة، بِاسم العفّة أو الدين أو المجتمع أو التقاليد، وبرعايتَي الفقر والجهل.

جميع الحقوق محفوظة © 2021
تصميم وتطوير Born Interactive