الرجوع

أن تكون حرًّا

الخميس

م ٢٠٢٢/٠٥/٢٦ |

هـ ١٤٤٣/١٠/٢٥

قال القشيري في رسالته الصوفية الشهيرة، ما يأتي: "إن الحرية تتحدد في أن لا يكون العبد تحت رق المخلوقات، ولا يجري عليه سلطان المكونات، وعلامة صحته سقوط التمييز عن قلبه بين الأشياء، فتتساوى عنده أخطار الإعراض". وقال حارثة (ر) لرسول الله (ص): "عزَفَت نفسي عن الدنيا، فاستوى عندي حجَرُها وذهبها".

ربما سيعتقد بعضٌ ممن يقرأ ذلك الاستهلال الصوفي لهذا المقال، أنني أدعو إلى الزهد في الدنيا ومباهجها، والتحول نحو الآخرة الواعدة، حيث الحلم بأن يتحقق ما لم نحققه في الدنيا من العدل والحرية والسعادة والرفاهية الفردوسية. غيْر أنَّ الرسالة التي أريدُ بثَّها مخالفةٌ تمامًا لهذا التصور، ومن ثم فإن استهلال المقال بهذا النص، هو الاستهلال المتطرف -إن جاز التعبير- من أجل إيضاح الفكرة وإيصال الرسالة. ذلك أن مفهوم الحرية هو مفهوم شائك إلى حد بعيد، خاصة في ظل تعقيدات العلاقات والمصالح وتشابكاتها في عالمنا المعاصر، المملوء بالتفاصيل الشديدة التطور والتعقيد في آن. وأغلب المعالجات الخاصة بإشكالية الحرية، أنما ترتبط بالآخر سواءٌ كان سلطويًّا بالمعنى السياسي أو الاجتماعي أو العقائدي... إلخ.

إلا أن ما يطرحه هذا الاستهلال هو الحرية، بوصفها علاقة الذات بذاتها قبل أن تكون علاقتها بالآخر أيًّا كان. هذا رغم تجلي تلك العلاقة عبر مرايا الآخر، ولكن بالسلب أو النفي أو الخلاص من شدة حضوره ووطأته. لا يمكننا وصفها بحرية عدم الاكتراث أو اللامبالاة، بل إنها حرية عزيزة القدر، لأنها حرية السيادة الحقة، إذ يصبح المرء سيِّدَ نفسِه، وهي حرية الوعي الحقيقي بالوجود الأصيل، وليس ذلك النمط الزائف المبتذل من الوجود الذي لا قيمة له.

إنه الاستغناء الذاتي الحق، بمعنى أن كل المغريات المبهجة والمثيرة والمغوية في هذه الحياة، من سطوة ونفوذ ومال وجمال وعلاقات ومصالح... إلخ، لن تكون أبدًا هي ما يحرك الإنسان أثناء رحلته في هذا العالم. ومن ثم، فلن يُستعبد الإنسان لحساب كل هذه المشتهيات، أو -بعبارة أخرى- لن يسعى حثيثًا محمومًا للحصول عليها أو القتال دونها، بل سيكون هدفه وغايته المنشودة -والذي ينبغي أن يسعى إليها سعيًا حثيثيًّا وهادئًا وعميقًا-، هو أن يحقق ذاته الأصيلة، ووجوده الحقيقي، متجاوزًا مظاهر الزيف والابتذال.

لا تَقُل أيها القارئ/ة إن هذا كلام مثالي أو إنشائي؛ إذ إنه كلام حقيقي يمكنك أن تراه وتلمسه في تجارب العديد من البشر المبدعين، بل والناجحين منهم نجاحًا ساحقًا. فعلى سبيل المثال لا الحصر: هناك نموذج نجيب محفوظ، ذلك الروائي العظيم الذي تَجاهله النقاد الكبار على مدى ربع قرن، لكنه -على حد تعبيره- كان يمتلك "عناد الثيران". فلم يكن هناك شيء يمكن أن يوقفه عن الكتابة، التي حدد منذ البداية أنه لا يسعى من خلالها إلى مجد أو مال، إنما إلى المتعة فقط (محمد شعير، البدايات والنهايات، ص75).

لعل هذا هو ما أعنيه بالحرية الحقة أو الوجود الحق، وهو أن تعمل ما تتقنه، وما أنت موهوب فيه، وما يحقق لك السعادة والمتعة، دون أن تجلس متحسرًا منتظرًا انتظارًا مريرًا، أو راجيًا وآملًا ومتطلعًا بهوس إلى ما يترتب عليه ما حققْتَه أو أبدعْتَه، أيًّا ما كان. ذلك أن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن تنشغل به، هو: "هل استمتعت بما فعلت؟ وهل شعرتَ بروحك أو وجدانك أو عقلك أو حواسك أو مخيِّلتك -بل بكلية ذاتك-، تنتعش وتتفتح وتزدهر أثناء إنجازك هذا العمل أم لا؟". 

فإنْ كانت الإجابة نعم، فها هنا تكمن حريتك الحقة ووجودك الأصيل، بل ها هنا تكمن سيادتك الفعلية لذاتك ومصيرك، بل حتى لِقدَرك الذي هو أمر غيبي إلهي. فالحق يحب ذلك العبدَ الحر القوي القادر على تحقيق معنى الخلافة الإنسانية لله في الأرض، بوصفها حالة إبداعية خلاقة في المقام الأول. ولا بد أن ننوه هنا بالطابع الحواري التفاعلي الجدلي، الذي يصُوغ طبيعة تلك اللحظة الحيوية في تاريخ الذات، حيث لايمكن فهم مسألة السيادة هنا بوصفها وضعية قمعية قاهرة، بل بوصفها حالة لانقسام الوعي على ذاته، وتبادُل الذات الحديث المتجدد دومًا مع ذاتها، من أجل تجاوز مساحات الابتذال الوجودي نحو بَراحِ الحرية والكينونة الراقية المبدعة المتفردة.

حينئذ قد نسترد من الطاقات الخلاقة ما لا تنوقع، وتلك الدهشة الأولى الفرِحة بكل ما حولنا، وذلك الاستقبال الطازج للعالم، الذى سيغدو متجددًا مع كل نظرة عين أو لحظة إدراك؛ بل إننا قد نستكشف في كل ما كنا نظنه معروفًا وبديهيًّا كل الإمكانات المتجددة والمبتكرة، وستصبح كل لحظة هي عمر بكماله، يختزل داخله البدايات المتجددة، والنهايات الواعدة، ببدايات احتمالية جديدة ومتنوعة. هذا هو عيش يمزج بين أجمل ما في الحياة وأغربِه: النَّزَق والعُمق، أو لنَقُل: إن هذا هو مذاق الحياة الحقة، وطعمها اللاذع شديد الجمال والرهافة في آن. فهل تجرِّب أن تكون حرًّا؟!

الكلمات الدليلية

جميع الحقوق محفوظة © 2022
تصميم وتطوير Born Interactive