الرجوع

هكذا أحرقوا كتاب “الإحياء”

الثلاثاء

م ٢٠٢٠/١٠/٢٧ |

هـ ١٤٤٢/٠٣/١١

يقول المؤرخ “عبد الله عنان” في موسوعته عن تاريخ الأندلس، وخاصة في الجزء الذي يتحدث فيه بدولة المرابطين: إنه في بداية سنة 503 هـ/1109م وقع في قرطبة حادث كبير الدلالة، عميق الأثر، وهو إحراق كتاب “إحياء علوم الدين” للإمام أبي حامد الغزالي. وذلك تحت تأثير نفوذ الفقهاء المتشددين ومشاوراتهم من قبل الأمير على بن يوسف بن تاشفين، حيث ادَّعى هؤلاء الفقهاء محتكرو الحقيقة الدينية وحدهم، فيما يتصورون أو يصوِّرونه للآخرين من السذج والبسطاء، أن الكِتاب الذى عبْرَهُ أحْيَا الغزاليُّ علوم أهل السنة في القرن الخامس الهجري، يحتوى على مسائل مخالفة للدين الإسلامي!

لقد جُمعت نُسخ الكتاب، واحتُفل بإحراقها في رَحْبة المسجد الجامع بقرطبة بعد أن شُبعت جلودها بالزيت. فنفَذَت كتُب أمير المسلمين “علي بن يوسف” إلى سائر أنحاء الأندلس والمغرب بإحراق كتاب الغزالي حيثما وُجد، وتشدَّد أمير المسلمين في ذلك حتى أنه أنذر بعقوبة الإعدام ومُصادرة المال لكل من وُجد عنده!

يرى عنان -وأظنه محقًّا في ذلك- أن حملة الفقهاء المرابطين على كتاب الإحياء، لم تكن مرتبطة بالخلافات العقائدية كما ادَّعى هؤلاء الفقهاء؛ لكنها كانت تنطوي على تصفية حسابات مع الغزالي، ردًّا على نقده اللاذع والعنيف لعلماء الفروع، واتهامه لهم بالجهل بعلم الأصول، والسطحية والانحياز الكامل إلى مصالحهم الدنيوية على حساب عقائدهم، بل واستخدامهم للدين في سبيل الحصول على السطوة والنفوذ والمال ومباهج دنيوية أخرى متنوعة؛ ذلك أنهم علماء الدنيا لا الدين. ويَذكر لنا “عنان” أن ابن القطان في “نَظْم الجُمان”، حمَل على هؤلاء الفقهاء الجهلة الذين قاموا بإحراق “هذا الكتاب العظيم”، واعتَبر إحراق المرابطين للكتاب سببًا لزوال مُلكهم، واستئصال شأفتهم.

لعل ما ذكره ابن القطان لا يخلو من الوجاهة، ويتماسُّ مع الحقيقة بصورة ما. فهكذا، تزول الممالك وتسقط الدول تحت وطأة الاستبداد أيًّا كانت صيغته (سياسية أو عقائدية). وقد استَدعيتُ هذا المَوقف من ذاكرتنا التراثية البعيدة، ومن الأندلُسِ على وجه الخصوص؛ علَّنِي أنبِّه القارئ -بل أنبِّه نفسي- على ما يحدث في كافة بلادنا العربية، التي ما زالت تعيد نفس التاريخ الاستبدادي بكافة أشكاله ومستوياته ووسائله.

ما زالت الحريات تُصادَر، والحق في الاختلاف يُعامَل بمنتهى العنف، وأقلُّه التجاهل والاستخفاف؛ وما زالت الاتهامات بالكفر والعَمالة والخيانة جاهزة ومؤثِّرة ومتداوَلة بيُسر وبساطة؛ وما زال كثير النخب السياسية والدينية -بل والثقافية- يحتكر مفهوم الحقيقة وتستبد به، وترفض الاعتراف بحق الآخر في الاختلاف بأي صورة من الصور، أو على أي مستوى من المستويات. زد على ذلك كونها نُخبًا متهالكة انتهى عمرها الافتراضي، ولم تعد تمتلك أي فعالية حقيقية أو تصورات جادة خلَّاقة، لحل مشكلات تراكمت عبر عقود طويلة وكانت أكبر دليل على فشل رؤى تلك النخب، فضلًا عن فسادها الذي طال كل مؤسسات الدولة، وأدى إلى ضعفها وعدم قدرتها على أداء وظائفها المنوطة بها.

ما يثير الدهشة ويشعرك -أيها القارئ- بالعبث المستشري في أوطاننا، أن هذه النخب المتهالكة لم تزل تتصارع بعضها مع بعض على موطئ قدم، في بلدان تعاني التشظي والتشرذم والفقر والجهل وسطوة الأصوليات بكافة أشكالها. ولا يَحكم تلك النخب سوى مصالحها الخاصة الضيقة، ولا يعنيها إطلاقًا هذا الوطن الذي قد يسقط في أي لحظة، فضلًا عن ولع لافت بتقديس شخصيات فقدَت صلاحيتها التاريخية، بل وجلبت لأوطانها كوارث لا حصر لها، في ظاهرة تستعصي على التفسير والفهم!

لعل سيرة الأندلس وعصر ملوك الطوائف على وجه الخصوص، يكشفان لنا مأساتنا الممتدة عبر التاريخ. فهذا مِلْك أضاعه رجاله الذين نسوا الوطن، وغرقوا في غَواية طموحاتهم الشخصية، وفسدوا وأفسدوا كل ما حولهم ومن حولهم، وتصارع بعضهم مع بعض، واستَقْوَوا بالآخر العدو الصليبي في ذلك الوقت، فضرب بعضُهم بِبَعض، واستولى على مدنهم الواحدة تلو الأخرى. فسقطت الأندلس، وخرجنا منها نجرُّ أذيال الخيبة، ونتحسر على ما فقدنا!

مقالات الرأي المنشورة في تعددية تعبر عن رأي الكاتب/ة، ولا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة.

إعادة نشر أي مقال مشروطة بذكر مصدره "تعددية"، وإيراد رابط المقال.

جميع الحقوق محفوظة © 2024
تصميم وتطوير Born Interactive