الرجوع

التضليل الإعلامي وانتهاك حقوق الإنسان

الإثنين

م ٢٠٢٢/٠٦/٠٦ |

هـ ١٤٤٣/١١/٠٧

مع تعدد وسائل الإعلام ومنافذها الإخبارية، باتت فرصة انتشار الشائعات والمعلومات المضلِّلة أكبر، وصارت الفرصة سانحة لتحقيق وصول أسرع إلى الفئة المستهدفة، بالنسبة إلى أولئك الساعين للتضليل. لقد سهلت واختصرت وسائل الإعلام الجديد (مواقع التواصل الاجتماعي) الطريق أمام حملات التضليل الإعلامي، وربما وفَّرت عليها الكثير من التكاليف المالية والجهد البشري، فهي من أكثر الوسائل وُصولًا إلى الجماهير حتى اللحظة.

في العراق، وباعتباره من البلدان التي ليس لديها أي قانون يُنظم عمل الإعلام والفضاء الإلكتروني، فإن التضليل الإعلامي وصل إلى مراحل متقدمة، خاصة خلال فترات الانتخابات وتشكيل الحكومات، وتفاقُم الأزمات الأمنية والسياسية والاقتصادية أيضًا. ثم إن المصطلح استُخدم من قبل سياسيين لضرب الصحافيين الموضوعيين ووسائل الإعلام التي تتمتع بنسبة من الاستقلالية، وباتوا يطلقونه حتى على المعلومات الدقيقة، خاصة تلك التي تكشف ملفات فساد وانتهاكات لحقوق الإنسان.

مع الترديد المستمر لمصطلح "التضليل"، وعقد مؤتمرات وورش عمل وحملات بشأنه، فإن أي تعريف ثابت ومتفق عليه لا يوجد حتى الآن، كما الحال في الكثير من المصطلحات. لكننا نستطيع الاجتهاد القول: إنه "عملية تلاعب بالمعلومات، تهدف إلى إيهام الجمهور وتغييب الحقيقة عنهم". وقد خلط بعضهم بينه وبين مصطلحات أخرى، مثل: "الأخبار الخاطئة"، و"المحتوى غير الدقيق"، و"المعلومات الضارة"، وغيرها من المصطلحات الأخرى. لكن اللبس الأكبر حصل مع مصطلح "الأخبار الخاطئة". ولا يفرق بعضهم بينه وبين مصطلح "الأخبار الخاطئة" التي تُلقي بضرر كبير هي الأخرى، لكنهما يختلفان؛ إذ "التضليل" هو: عملية تلاعُب بمعلومات بهدف الإيهام، و"الأخبار الخاطئة" هي: عملية نشر معلومات يَعتقد ناشرها أنها صحيحة. أما الفرق بينهما، فهو أن المصطلح الأول يَعرف ناشرُه أنها معلومات غير صحيحة، والثاني لا يَعرف ناشرُه ذلك. ولكن إن عرف صانع أو ناشر الأخبار الخاطئة أنها كذلك يمسي عمله تضليلًا.

تنتشر في العراق يوميًّا عشرات المعلومات المضلِّلة، على شكل مقالات صحفية، أو تقارير تلفزيونية، أو منشورات على الفيس بوك وتويتر، أو حتى على قنوات تطبيق التيليغرام التي صارت أسهل وأسرع وأقل كلفة من بقية المنصات. لكن، مع هذا الانتشار الكبير للمعلومات المضللة، والتي تنتشر أغلبها عبْر مِنصات ومنافذ إخبارية معروفة، لا يوجد تنظيم ، باستثناء ما تقوم به حملتان أو ثلاثة، لمجموعة نشطاء وصحفيين تطوعوا للتدقيق في المحتوى المنشور. وعليه، فإن عدم وجود مواجهة أولئك الذين ينشرون المعلومات المضللة، سببه الأساسي هو عدم وجود قانون ينظم عمل الإعلام دون أن يقمع حرية الرأي والتعبير، تنظيم من شأنه أن "يؤثر في النظام الديمقراطي في أي بلد، وفي نزاهة الانتخابات، وفي حقوق الإنسان أيضًا"، وفقًا للجملة المكررة التي يُطلقها خبراء ومختصون.

ترتبط عمليات التضليل المعلوماتي بحقوق الإنسان ارتباطًا مباشرًا، وهي بمنزلة انتهاك لعقل الإنسان وحقه في معرفة الحقيقة، وفي عدم التجهيل. إن تغييب الحقيقة عن شخص، ومحاولة تجهيله بمعلومات مضللة، انتهاك صريح للمبادئ الإنسانية.

دفَع التضليلُ بالجميع إلى التشكيك في المعلومات، وهذه حالة صحية، تجعلهم لا يسلِّمون بالمعلومات التي تتدفق إليهم بشكل مباشر، لكن الذين سعوا إلى ترسيخ التشكيك لدى الناس، كانوا يستهدفون خلق حالة من "الفوضى الإعلامية"، بغرض صرْف المتلقِّي عن التعامل مع المعلومات والمنصات والمنافذ الإخبارية الموثوقة، أو تقليل حجم المتلقين الذين يثقون بالمنصات التي لطالما نشرت معلومات دقيقة. إن هؤلاء الذين خلقوا "فوضى إعلامية" لم يهدفوا إلى دفع الناس إلى التصديق بما ينشرون من معلومات فحسب، بل إلى زعزعة الثقة بالمصادر الإخبارية الموثوقة أيضًا، وهي ثقة مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بالنظام الديمقراطي وبمؤسسات الدولة؛ إذ "لا ديمقراطية من دون صحافة حرة وتدفُّق للمعلومات الدقيقة"، وفقًا للجملة المكررة.

المعلومات المضللة التي أخذت من حياتنا وزاحمت المعلومات الدقيقة، خلقت حالة من التلوث في الفضاء العام. وبصراحة، كان المتلقي جزءًا من أدوات الساعين للتضلل. عندما يُشارك المتلقي في معلومة دون التحقق منها، أو عندما يُسارع إلى توزيعها عبر تطبيقات المراسلة على كل معارفه، فإنه يصير شريكًا في نشر التضليل. إن التسليم المباشر بالمعلومات، حتى تلك التي لا يُمكن تصديقها، يعني أننا أمام مرحلة تجهيل حقيقية لعقول الناس. لم يعد التضليل مجرد معلومة تنتشر على مِنصة إلكترونية أو فضائية أو صحيفة، بل صار جزءًا من صراع دولي. فمثلًا: تتهم الدول العُظمى مثل الولايات المتحدة الأميركية وروسيا والصين والاتحاد الأوربي، بعضُها بعضًا بتضليل الجماهير. وهذا في حد ذاته يؤكد أن هذا الصراع ليس ببعيد عن العراق، الذي تنشط فيه نحو 1000 وسيلة إعلام.

في المحصلة، التضليل المعلوماتي لا يقل خطورة عن الانتهاكات التي ترتكبها السلطات أو جماعات أخرى بحق الإنسان. فتجهيله يُعَدّ بدايةً لإلحاق الضرر به سياسيًّا واقتصاديًّا وفكريًّا واجتماعيًّا، وبكل ما يرتبط بحياته.

جميع الحقوق محفوظة © 2022
تصميم وتطوير Born Interactive