الرجوع

الدور المأمول من المؤسسات الدينية في مواجهة العنف ضد المرأة

الثلاثاء

م ٢٠٢٥/٠٧/٠١ |

هـ ١٤٤٧/٠١/٠٦

يُعَدُّ العنف ضد النساء من أكثر انتهاكات حقوق الإنسان انتشارًا وتأثيرًا. لذلك، دُشِّنت حملة الـ١٦ يومًا السنوية، التي تبدأ من اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة في ٢٥ تشرين الثاني/نوفمبر، وتنتهي في اليوم العالمي لحقوق الإنسان في ١٠ كانون الأول/ديسمبر، من أجل وضع قضية مناهَضة العنف القائم على النوع الاجتماعي في دائرة الاهتمام. وقد ركزت حملةُ هذا العام على الفضاء الرقمي. فالعنف ضد النساء عبر المنصات الإلكترونية بات اليوم تهديدًا خطيرًا وسريعًا، يسعى إلى إسكات أصوات كثير من النساء، إذ تشير تقديرات عالمية إلى أنّ ما يقارب امرأة واحدة من كل ثلاث نساء، تعرّضت -مرة واحدة على الأقل في حياتها- لعنف جسدي و/أو جنسي من شريك حميم، أو لِعنف جنسي من غير الشريك، أو من كِلاهما.

تتعدد أسباب العنف ضد المرأة بين الجهل والتنشئة والسياقات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية. لكن، تظل كثير من التفسيرات الدينية السائدة هي لاعب أساسي، في محاولةٍ منها لِإعطاء هذه الانتهاكات مشروعيةً أو لتبريرها، من جانب؛ أو لتعطيل أيِّ تشريعات أو خطوات فعلية من أجل وقف هذه الانتهاكات، من جانب آخَر. وفي نفس الوقت، لا يمكن تصوُّر إحراز أيِّ تقدُّم ملموس في الحدِّ من العنف والتمييز ضد المرأة، بدون فضِّ الاشتباك الذي يَستخدم حرية الدين والمعتقد لتبرير الانتهاكات. فلمَّا كان بعض رجال الدين جزءًا من الأسباب، فهم بالضرورة جزءٌ لا غنى عنه بصفتهم إحدى طرق المعالجة.

لا يمكن إغفال الصورة النمطية، التي يكرسها خطابُ قطاعٍ واسع من رجال الدين الإسلامي والمسيحي، والذي يتعامل مع المرأة باعتبارها كائنًا ناقص الإرادة، لا تملك القدرة والكفاءة التي تُمكِّنها من إدارة شؤون حياتها بحرية كاملة. تستند هذه الرؤية إلى تراثٍ ديني واجتماعي ضخم، أبوَيِّ الطابع، وذِي ملامح محافِظة. ومع التطور على مستوى الخطاب الحقوقي العالمي والمحلي، ومناقشة قضايا، مثل: الاغتصاب الزوجي، ودور المرأة في قيادة المؤسسات الدينية، لا يزال رجال دين يُصرُّون على ازدواجية الخطاب؛ أيْ إننا أمام خطاب يتحدث في العموميات عن تكريم الأديان للمرأة وإعلاء شأنها، وعن مساواتها للرجل. لكنْ، عندما ننتقل إلى تحديد الحقوق والالتزامات لإنهاء أوْجُه التمييز والعنف ضد المرأة، تَظهر خطاباتٌ أخرى وحجج تُعزز صورة المرأة النمطية.

بطبيعة الحال، لسنا أمام صورة قاتمة بائسة بالكامل، إذْ هناك تغييرٌ ما في الخطاب الديني بعد ثورات الربيع العربي. فقد أصدر الأزهر وثيقة عن حقوق المرأة، وأيضًا تَحدَّث شيخ الأزهر عن قضية مهمة خاصة بنصيب الزوجة في الثروة التي تكوَّنت أثناء الزواج، وقدَّم مَخرجًا دينيًّا -استنادًا إلى التراث الإسلامي- فيما يُعرَف بحق "الكدّ والسِّعاية". أيضًا صدرت فتوى للدكتور شوقي علام في عام 2020، تُفنِّد الادِّعاء بحرمة تَولِّي المرأة المناصب القيادية استنادًا إلى الحديث: "لا يُفلح قَوم وَلَّوا أمْرَهم امرأة". أيضًا اشتبكت وزارة الأوقاف مع حملة هذا العام ببوست على موقع فيس بوك بعنوان: "العنف ليس من الدين.. والرحمة هي الأساس في بناء الأسرة"، واستخدَمَت هشتاك: #صحح_مفاهيمك واليوم_العالمي_لمناهضة_العنف_ضد_المرأة

يمكن القول: إن ثَمَّة خطابًا دينيًّا يحاول إيجاد مساحات مشتركة مع مطالب الحركات النِّسوية والمنظمات الحقوقية، يَظهر في بعض قضايا محددة بحسب ما أشرنا، لكنه لا يزال خطابًا نخبويًّا من مثقفي رجال الدين أو العاملين في المقر الرئيسي للمؤسسات الدينية الرسمية. لذلك، تظلُّ هذه الآراء المستنيرة رهينة بوجودهم، ويمكن أنْ تتراجع إنْ كانت القيادات مختلفة. وما دام الخطاب نخبويًّا غير مترسِّخ في بنْيَة المؤسسات، فيجري استدعاؤه في المناسبات الدولية والمحلية، والتسويقُ بأننا أصبحنا مستنيرين. إلَّا أنَّ هذا الخطاب يتَّسِم بأنه إنشائي، بلا تأثير في أرض الواقع، ولا يُترجَم في سياسات أو قرارات تنفيذية. فلا يزال الخطاب تجاه "العنف الأسري" و"الاغتصاب الزوجي" بعيدًا جدًّا عن المساواة والعدالة وعدم التمييز ضد المرأة، لا سيما مع اختلاف تعريف الدولة لهما عن تعريفهما في المواثيق الدولية لحقوق الإنسان.

لذلك، ننتظر من المؤسسات الدينية أكثر من مجرد التوعية بخطابٍ عن مناهضة العنف ضد المرأة في العموميات، إذ نحتاج إلى جهد مستمر يبدأ داخليًّا، لأنَّ فاقد الشيء لا يعطيه، وذلك من أجل تعزيز مكانة المرأة ودَورها داخل المؤسسات الدينية. أيضًا نحتاج إلى عدم استبعاد النساء من وضع رؤية لهذه المؤسسات وبلورتها، بشأن مكانة المرأة وأولويات قضاياها، وسُبل الحدِّ من العنف الواقع عليها. ولن يتحقق ذلك بدون أن تتوقف هذه المؤسسات عن التحريض ضد منظمات المرأة أو الناشطين الداعين إلى المساواة، أو عن الوقوف حائطَ سدٍّ أمام سَنِّ أيِّ تشريعات لمكافحة العنف ضد المرأة، أو لترسيخ حقوقها.

 

مقالات الرأي المنشورة في تعددية تعبر عن رأي الكاتب/ة، ولا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة.

إعادة نشر أي مقال مشروطة بذكر مصدره "تعددية"، وإيراد رابط المقال.

جميع الحقوق محفوظة © 2026
تصميم وتطوير Born Interactive
معلومات ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين التنقل في الموقع وتحليل استخدام الموقع والمساعدة في جهود التسويق. تحقق من سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا للحصول على التفاصيل.

إعدادات الخصوصية

حدد ملفات تعريف الارتباط التي تريد السماح بها. يمكنك تغيير هذه الإعدادات في أي وقت. ومع ذلك، يمكن أن يؤدي هذا إلى عدم توفر بعض الوظائف. للحصول على معلومات حول حذف ملفات تعريف الارتباط، يرجى الرجوع إلى وظيفة المساعدة في المتصفح الخاص بك.
تعرف على المزيد حول ملفات تعريف الارتباط التي نستخدمها.

ضروري
وظائف
تحليلات
تسويق

هذا الموقع سوف:

  • يتذكر إعداد إذن ملفات تعريف الارتباط
  • يسمح بملفات تعريف الارتباط للجلسة
  • يجمع المعلومات التي تدخلها في نماذج الاتصال، والنشرة الإخبارية والنماذج الأخرى عبر جميع الصفحات
  • يساعد على منع هجمات التزوير (CSRF) عبر الموقع
  • يحافظ على حالة جلسة الزائر عبر طلبات الصفحة
  • تذكر إعدادات التخصيص
  • يتذكر الإعدادات المحددة
  • يتتبع الصفحات التي قمت بزيارتها والتفاعل الذي اتخذته
  • يتتبع حول موقعك ومنطقتك على أساس رقم IP الخاص بك
  • يتتبع الوقت الذي تقضيه في كل صفحة
  • يزيد جودة بيانات وظائف الإحصاء
  • يستخدم المعلومات للإعلان المخصص مع أطراف ثالثة
  • مح لك بالاتصال بالمواقع الاجتماعية
  • يحدد الجهاز الذي تستخدمه
  • يجمع معلومات التعريف الشخصية مثل الاسم والموقع

هذا الموقع الإلكتروني لن:

  • يتذكر إعداد إذن ملفات تعريف الارتباط
  • يسمح بملفات تعريف الارتباط للجلسة
  • يجمع المعلومات التي تدخلها في نماذج الاتصال، والنشرة الإخبارية والنماذج الأخرى عبر جميع الصفحات
  • يساعد على منع هجمات التزوير (CSRF) عبر الموقع
  • يحافظ على حالة جلسة الزائر عبر طلبات الصفحة
  • يتذكر إعدادات التخصيص
  • يتذكر الإعدادات المحددة
  • يتتبع الصفحات التي قمت بزيارتها والتفاعل الذي اتخذته
  • يتتبع حول موقعك ومنطقتك على أساس رقم IP الخاص بك
  • يتتبع الوقت الذي تقضيه في كل صفحة
  • يزيد جودة بيانات وظائف الإحصاء
  • يستخدم المعلومات للإعلان المخصص مع أطراف ثالثة
  • يسمح لك بالاتصال بالمواقع الاجتماعية
  • يحدد الجهاز الذي تستخدمه
  • يجمع معلومات التعريف الشخصية مثل الاسم والموقع

حفظ وإغلاق