الرجوع

الدين ومنطق الغلبة

الثلاثاء

م ٢٠٢٥/٠٧/٢٢ |

هـ ١٤٤٧/٠١/٢٧

لا شك في أن المعركة الحاسمة التي أسقطت نظام الأسد في سوريا، هي معركةٌ فصائلُها وعناصرُها مدفوعون بخطاب تَعْبوي ديني بالدرجة الأولى، خاصة وأن غالبية تلك الفصائل -إن لم يكن كلها- التي خاضت "ردع العدوان"، هي فصائل ذات توجُّهات دينية محافِظة، شعاراتها دينية، وإحدى شرعيّاتها الأساسية شرعيّةٌ دينية محضة، ذات لون واحد غير متنوّع. 

هذا ليس استثناءً في الحالة السوريّة، إذِ التعبئةُ الأيديولوجية، سواءٌ دينيّةً كانت أو قوميّة، أو تتبع خطًّا أيديولوجيًّا واضحًا عامًّا ذا أثر مباشر في الأفراد المسلّحين الذين هم أدوات التغيير، هي حالة ماثلة في ثورات عبر التاريخ. لكن مجمل الحركات التغييرية المسلّحة، التي جُمِع عناصرُها تحت شعارات أيديولوجيّة واحدة، واجهت بعد انتصارها أسئلةً مصيريّةً تتعلّق بـ "منطق الغلبة". فهل يبقى هذا المنطق نافذًا خارج سياقاته الوظيفيّة (الحرب)؟ أم هل يكون أداة سيطرة سياسيّة؟ وهل يمكن لهذا المنطق أن يكون وظيفيًّا في بناء مجتمع ما بعد الحرب؟

ليس هناك مثال على التخبّط في الإجابة عن تلك الأسئلة، أفضل من مثال الحالة السورية، التي تتضمّن إجاباتٍ -إن توافَرت أصلًا في الوضع الراهن– عن أسئلة عامة أخرى مرتبطة بالحريات الدينية والاجتماعية، بل وبحقوق الإنسان الأساسيّة أيضًا.

على إثْر انتصارها بعد مظلومّيتها التاريخيّة، تجد الغلبةُ المنتصرة نفسَها مالكةً للحق، وهو ما يمنحها -من وجهة نظرها- الأحقيّةَ بقيادة المجال العام، وهو ما يمكن أن نراه متمثلًا بشعار الحالة السورية: "مَن يُحرِّر يُقرِّر"، الذي هو من أهم الشعارات التي تُفوِّض إلى "الغلبة" مكوّناتِها في الخصوصيّة السورية، وهي "غلبَةٌ عسكرية ودينية". وعليه، فإنَّ شرعيتها المتأتية من المعركة، إذا امتدت خارج أطر المعركة، فإنها تستمدّ قوّتها وسطوتها من أداتها الأساسيّة في التعبئة (أي الدّين)، وأداتها الأساسية في الانتصار (أي السلاح). وهو ما يجعل المرحلة التي تمرّ فيها سوريا اليوم مرحلةً مصيريّة في غاية الحساسيّة، تتطلّب قدرة ووضوحًا في الإجابة عن كل الأسئلة المتعلّقة بالغلبة وحدودها.

في مجتمع متنوّع ملّون كسوريا، ربّما لا تتفق ألوانه وتنويعاته الأيديولوجية المختلفة إلا على قضيّة واحدة –على الأقل في الوقت الحالي–، وهي أن الخلاص من ديكتاتوريّة نظام الأسد كان مسألة واجبة للوصول إلى المستقبل، أيِّ مستقبل. أما هويّة المستقبل وشكلُه، فهو المسألة الخلافيّة الواضحة التي تختلف حولها الأديان والتكوينات الإثنية والسياسية، قديمُها وحديثُها. وأمَّا الخوف من سلطة الغلبة، ونفاذ هذه السلطة ما بعد المعركة، ومظاهرُ حضورها السياسية والاجتماعية اليوم؛ فإنما هو موضع الخلاف الأساسي.

إن لغة الحرب، بكل ما فيها من مصطلحات وتكوينات منتمية إلى الدين والسلاح، إنْ تجاوزَت حدود المعركة إلى داخل مجتمع ما بعد الحرب، فإنها سوف تستمر في البحث عن مبررات وجودها الأساسيّة، وهي وجودُ عدوٍّ. وستَخلق بطبيعة الحال، وبسرعة وخفّة ومرونة متأتية من هشاشة مجتمع ما بعد الحرب - ثنائياتٍ عديدةً: "نحن وهم"، و"الغالب والمغلوب"، و"التابع والمتبوع"، وما إلى ذلك من ثنائيات لا تنتهي، ولا يزيد معها إلا الشقاق، وما يلحقه بطبيعة الحال من بناء مظلوميّات جديدة، ومن تشذيبها وإحاطتها بكل ما يدعم نظرياتها من حقائق وأوهام. كل ذلك يقود وفق منطق تاريخي خالص إلى بُنًى ديكتاتورية متوالدة بعضها من بعض: من ديكتاتورية الغلبة ذاتها، إلى ديكتاتوريات محليّة تَبْنيها المجموعات الرافضة للديكتاتورية المركزيّة، والتي لدى جميعها أدواتٌ وآلياتُ سيطرةٍ متشابهة، في مقدّمتها في النموذج السوري: الدين والقوميّة. وبطبيعة الحال هناك آليّات السلاح عند الصدام.

إنَّ تحييد الغلبة، ومَنْع شعاراتها وقيمها ومبادئها الجامعة في المرحلة الحربية من ممارسة الأدوار القياديّة، ليس منّة تمنحها القيادة العسكرية والسياسيّة التي أدارت دَفَّة المعركة، ووصلت إلى القصر الرئاسي؛ إنما التحييد هو أولى الخطوات وأوضحها وأهمها نحو جمع السوريين بأديانهم وأيديولوجياتهم في ضمن مجتمع واحد، شعاره ومبدَؤُه وقيمته الأولى حريةُ الدين والمعتقد والانتماء. وما نراه في مواقع سوريّة عديدة اليوم، من قدرة الغلبة أو ذويها أو معارفها على ممارسة الأدوار القياديّة في المجتمع، هو خطوات عملية وواضحة نحو استبدال مظلوميّة بأخرى، وأسلوب إقصائي بآلية إقصائية أخرى.

قد يبدو هذا الحديث عن موضوع الغلبة، خاصة بأشكالها الدينية والعسكرية الفصائلية، حديثًا نظريًّا. أيضًا يبدو أن السؤال ليس في موقعه الصحيح، إذْ قد لا يكون السؤال السوريّ الأهم اليوم عن ضرورة كبح جماح الغلبة، ولا عن توجُّه السلطة في دمشق اليوم نحو ذلك الكبح، إيمانًا منها بأن ذلك الكبح هو الطريق الوحيد إلى تكوين مساحة حياتيّة قادرة على استيعاب الجميع. إنما قد يتمحور السؤال حول قدرة السلطة السياسية والعسكرية في دمشق اليوم على القيام بتلك المهمّة أصلًا، وحول مدى صعوبة تفكيك تلك الغلبة أو خطورتها، بتفاصيلها وتعقيداتها الأيديولوجية والعسكريّة. وهنا يصبح الحديث عمّا هو عملي أهمَّ وأكثر ارتباطًا بالواقع، منه بما هو نظري مبني وفق سلسة تفكير منطقية، كوّنَتها التجارب التاريخية لشَتَّى الثورات والشعوب. فإنْ كان السياق العملي هو العقبة، وكانت النظرية أصلًا غير قابل للتطبيق في السياق السوري، فعندها ما يجب الاعتراف به في سوريا اليوم على الأقل، هو أن البلاد ليست بَعْدُ في مرحلة بناء المستقبل.    

مقالات الرأي المنشورة في تعددية تعبر عن رأي الكاتب/ة، ولا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة.

إعادة نشر أي مقال مشروطة بذكر مصدره "تعددية"، وإيراد رابط المقال.

الكلمات الدليلية

جميع الحقوق محفوظة © 2026
تصميم وتطوير Born Interactive
معلومات ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين التنقل في الموقع وتحليل استخدام الموقع والمساعدة في جهود التسويق. تحقق من سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا للحصول على التفاصيل.

إعدادات الخصوصية

حدد ملفات تعريف الارتباط التي تريد السماح بها. يمكنك تغيير هذه الإعدادات في أي وقت. ومع ذلك، يمكن أن يؤدي هذا إلى عدم توفر بعض الوظائف. للحصول على معلومات حول حذف ملفات تعريف الارتباط، يرجى الرجوع إلى وظيفة المساعدة في المتصفح الخاص بك.
تعرف على المزيد حول ملفات تعريف الارتباط التي نستخدمها.

ضروري
وظائف
تحليلات
تسويق

هذا الموقع سوف:

  • يتذكر إعداد إذن ملفات تعريف الارتباط
  • يسمح بملفات تعريف الارتباط للجلسة
  • يجمع المعلومات التي تدخلها في نماذج الاتصال، والنشرة الإخبارية والنماذج الأخرى عبر جميع الصفحات
  • يساعد على منع هجمات التزوير (CSRF) عبر الموقع
  • يحافظ على حالة جلسة الزائر عبر طلبات الصفحة
  • تذكر إعدادات التخصيص
  • يتذكر الإعدادات المحددة
  • يتتبع الصفحات التي قمت بزيارتها والتفاعل الذي اتخذته
  • يتتبع حول موقعك ومنطقتك على أساس رقم IP الخاص بك
  • يتتبع الوقت الذي تقضيه في كل صفحة
  • يزيد جودة بيانات وظائف الإحصاء
  • يستخدم المعلومات للإعلان المخصص مع أطراف ثالثة
  • مح لك بالاتصال بالمواقع الاجتماعية
  • يحدد الجهاز الذي تستخدمه
  • يجمع معلومات التعريف الشخصية مثل الاسم والموقع

هذا الموقع الإلكتروني لن:

  • يتذكر إعداد إذن ملفات تعريف الارتباط
  • يسمح بملفات تعريف الارتباط للجلسة
  • يجمع المعلومات التي تدخلها في نماذج الاتصال، والنشرة الإخبارية والنماذج الأخرى عبر جميع الصفحات
  • يساعد على منع هجمات التزوير (CSRF) عبر الموقع
  • يحافظ على حالة جلسة الزائر عبر طلبات الصفحة
  • يتذكر إعدادات التخصيص
  • يتذكر الإعدادات المحددة
  • يتتبع الصفحات التي قمت بزيارتها والتفاعل الذي اتخذته
  • يتتبع حول موقعك ومنطقتك على أساس رقم IP الخاص بك
  • يتتبع الوقت الذي تقضيه في كل صفحة
  • يزيد جودة بيانات وظائف الإحصاء
  • يستخدم المعلومات للإعلان المخصص مع أطراف ثالثة
  • يسمح لك بالاتصال بالمواقع الاجتماعية
  • يحدد الجهاز الذي تستخدمه
  • يجمع معلومات التعريف الشخصية مثل الاسم والموقع

حفظ وإغلاق