الرجوع

المسيحيون في غزة: أقلية على هامش الحصار والسياسة

الثلاثاء

م ٢٠٢٥/٠٧/١٥ |

هـ ١٤٤٧/٠١/٢٠

مع أن مدينة غزة تُقدَّم في المِخيال العام غالبًا بوصفها كيانًا متجانسًا، ومجتمعًا مسلمًا ومحافظًا، محكومًا بظروف وحصار وحروب متكررة، ويتحكم في فضائه العام ثنائياتُ السياسة والمقاومة والدين - فإن هذا التصوير، على اختزاله، يُقصي طبقات كاملة من الواقع الاجتماعي الغَزِّيّ. فهو يُسقط من السردية العامة جماعات صغيرةً عاشت في المدينة قرونًا طويلة، لكنها اليوم تكاد تختفي من المشهد. مِن بين هذه الجماعات، يَبرز المسيحيون في غزة أقليّةً تعيش على هامش فضاءٍ عامّ، أُعيدَ تشكيله تحت أيديولوجية سياسية دينية لا تفترض وجودها. 

شكّل المسيحيون الفلسطينيون تاريخيًّا جزءًا أصيلًا من النسيج الاجتماعي الفلسطيني، ويَشمل ذلك قطاع غزة، حيث تعُود جذور المسيحيين في المدينة إلى ما قبل عام 400 ميلادي؛ ما يجعلهم أحدَ أقدم الجماعات المسيحية في العالم. آنذاك، لم يكن المجتمع المسيحي كبير العدد، لكنه كان حاضرًا وفاعلًا في مجالات التعليم والتجارة والعمل الاجتماعي، بوصفه جزءًا طبيعيًّا من تنوع المدينة الديني، وعنصرًا مؤثِّرًا في تشكيل الهوية الفلسطينية، حيث تجاوَز أثره الاجتماعي والثقافي أعدادَه المحدودة. غيْرَ أنَّ هذا الحضور تَرافَق تاريخيًّا مع موجات هجرة واسعة؛ ما جعل بقاء المسيحيين مجتمَعًا متماسكًا داخل فلسطين، وفي غزة تحديدًا، مسألةً مهدَّدة على الدوام. وهنا لا نتحدث عن ظاهر هجرة طارئة أو مرتبطة بلحظة سياسية واحدة، بل عن مسار تاريخي طويل، وتحولات كبرى شهدها المسيحيون في فلسطين، بعد نكبة عام 1948 بفعل الاحتلال الإسرائيلي، ثم نكسة 1967 التي تَعرَّض فيها المسيحيون -كغيرهم من الفلسطينيين- للتهجير وفقدان مصادر الرزق، وتفكُّك البنى الاجتماعية؛ ما دفع أعدادًا كبيرة منهم إلى الهجرة بحثًا عن الأمان.

في مدينة غزة، اكتسب هذا المسار بُعدًا إضافيًّا، بالأخص بعد الانقسام السياسي الفلسطيني وسيطرة السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، وسيطرة حركة حماس في قطاع غزة عام 2007، حيث لم تقتصر انعكاسات هذا التحول على الجانب السياسي فحسب، بل امتدت إلى الحياة اليومية والفضاء العام، لا سيّما في ظل الحصار الإسرائيلي الخانق، والحروب المتكررة منذ ذلك الحين. قبل فرض الحصار وتَولِّي حماس للحكم، كان عدد المسيحيين في غزة يُراوح بين 3000 و4000 مسيحي، غيْر أن هذه الأعداد انخفضت بشكل كبير في السنوات اللاحقة، ليُقدَّر اليوم بأقلَّ من ألف مسيحي، أيْ أقل من 0.05% من مجمل سكان قطاع غزة، ويتوزعون في مناطق متفرقة في المدينة بين الرمال والميناء الجنوبي وتل الهوا، وفق تقديرات كنسية ومؤسسات بحثية مستقلة. 

لا يمكن قراءة هذا التقلص الديموغرافي في سياق الاحتلال أو الانهيار الاقتصادي في قطاع غزة فقط، مع مركزية هذه العوامل وأهميتها. ولكنْ في الجهة المقابلة، لم تقتصر هذه التحولاتُ على البُعدَيْن السياسي والأمني فقط، بل امتدت إلى المجالين الاجتماعي والثقافي، بعد سيطرة حماس على الحكم، حيث برزَت تدريجيًّا أنماطٌ أكثرُ محافَظةً في الفضاء العام، ومرتبطةٌ برؤية دينية سياسية للحكم، انعكست على أنماط السلوك الاجتماعي، والعلاقات بين الجنسين، وحدود المقبول والمرفوض في الحياة العامة. 

في هذا السياق، أصبح شعور القلق قائمًا ومشروعًا، ليس بشأن السلطة الحاكمة فقط، بل أيضًا بشأن الدعم الشعبي الذي تحظى به الحركات الإسلامية داخل المجتمع، وبشأن ما يرونه انجرافًا نحو نظام اجتماعي قائم على معايير دينية إسلامية، لا يشعرون فيها بأنهم جزء منها. وفي حين يظل الخوف من التعدي المباشر على الحريات الدينية وأماكن العبادة حاضرًا، خاصة بعد حوادث عنف استهدفَت مسيحيين في السنوات التي تلت عام ٢٠٠٧ - فإن القلق الأكبر يتمحور حول الحريات الاجتماعية، ونمط الحياة، إذ الكثيرون يشعرون بأنهم يعيشون في مناخ ثقافي محافظ، لم يعُد يسمح لهم بممارسة حياتهم وفق معاييرهم الخاصة.

بات هذا الواقع ملموسًا اليوم، لدى مجتمع لا يتجاوز الألف مسيحي في قطاع غزة، يجد أفرادَه تحت ضغوط مباشرة وغير مباشرة لِامتثال المعايير السائدة في الفضاء العام. يتعمق هذا الشعور بالهشاشة الثقافية مع الهجرة المستمرة، لا سيّما في صفوف الشباب؛ ما يُضعف قدرة المجتمع على إعادة إنتاج نفسه اجتماعيًّا وثقافيًّا، إضافة إلى الاقتتال الداخلي الذي أعقب تَولِّي حماس الحكم، وما رافقه من عنف وفوضى في تعزيز هذا الإحساس بفقدان الأمن؛ ما دفع المزيد من العائلات إلى التفكير في الرحيل. 

في ظل هذه الظروف، اغتنم مسيحيُّو غزة كلَّ فرصة للهروب، أو لتخفيف وطأة الضغوط. فاستخدم كثيرون منهم تصاريح السفر الموسمية خلال أعياد الميلاد والفصح، سبيلًا إلى الهجرة، بحثًا عن حياة أكثر أمانًا واستقرارًا. وهنا لم تعُد الهجرة خيارًا للنجاة فقط، بل إستراتيجيةَ بقاءٍ في مواجهة واقع يَصعب تحمُّله داخل فضاءٍ عامّ، أُعيدَ تشكيله وفق مرجعيات سياسية أيديولوجية، وفي ظل نظام يرى الحقيقة من زاوية واحدة، ويعيد تشكيل الفضاء العام وفق رؤيته الوحيدة.

مقالات الرأي المنشورة في تعددية تعبر عن رأي الكاتب/ة، ولا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة.

إعادة نشر أي مقال مشروطة بذكر مصدره "تعددية"، وإيراد رابط المقال.

الكلمات الدليلية

إخترنا لكم

Alternate Text
جميع الحقوق محفوظة © 2026
تصميم وتطوير Born Interactive
معلومات ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين التنقل في الموقع وتحليل استخدام الموقع والمساعدة في جهود التسويق. تحقق من سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا للحصول على التفاصيل.

إعدادات الخصوصية

حدد ملفات تعريف الارتباط التي تريد السماح بها. يمكنك تغيير هذه الإعدادات في أي وقت. ومع ذلك، يمكن أن يؤدي هذا إلى عدم توفر بعض الوظائف. للحصول على معلومات حول حذف ملفات تعريف الارتباط، يرجى الرجوع إلى وظيفة المساعدة في المتصفح الخاص بك.
تعرف على المزيد حول ملفات تعريف الارتباط التي نستخدمها.

ضروري
وظائف
تحليلات
تسويق

هذا الموقع سوف:

  • يتذكر إعداد إذن ملفات تعريف الارتباط
  • يسمح بملفات تعريف الارتباط للجلسة
  • يجمع المعلومات التي تدخلها في نماذج الاتصال، والنشرة الإخبارية والنماذج الأخرى عبر جميع الصفحات
  • يساعد على منع هجمات التزوير (CSRF) عبر الموقع
  • يحافظ على حالة جلسة الزائر عبر طلبات الصفحة
  • تذكر إعدادات التخصيص
  • يتذكر الإعدادات المحددة
  • يتتبع الصفحات التي قمت بزيارتها والتفاعل الذي اتخذته
  • يتتبع حول موقعك ومنطقتك على أساس رقم IP الخاص بك
  • يتتبع الوقت الذي تقضيه في كل صفحة
  • يزيد جودة بيانات وظائف الإحصاء
  • يستخدم المعلومات للإعلان المخصص مع أطراف ثالثة
  • مح لك بالاتصال بالمواقع الاجتماعية
  • يحدد الجهاز الذي تستخدمه
  • يجمع معلومات التعريف الشخصية مثل الاسم والموقع

هذا الموقع الإلكتروني لن:

  • يتذكر إعداد إذن ملفات تعريف الارتباط
  • يسمح بملفات تعريف الارتباط للجلسة
  • يجمع المعلومات التي تدخلها في نماذج الاتصال، والنشرة الإخبارية والنماذج الأخرى عبر جميع الصفحات
  • يساعد على منع هجمات التزوير (CSRF) عبر الموقع
  • يحافظ على حالة جلسة الزائر عبر طلبات الصفحة
  • يتذكر إعدادات التخصيص
  • يتذكر الإعدادات المحددة
  • يتتبع الصفحات التي قمت بزيارتها والتفاعل الذي اتخذته
  • يتتبع حول موقعك ومنطقتك على أساس رقم IP الخاص بك
  • يتتبع الوقت الذي تقضيه في كل صفحة
  • يزيد جودة بيانات وظائف الإحصاء
  • يستخدم المعلومات للإعلان المخصص مع أطراف ثالثة
  • يسمح لك بالاتصال بالمواقع الاجتماعية
  • يحدد الجهاز الذي تستخدمه
  • يجمع معلومات التعريف الشخصية مثل الاسم والموقع

حفظ وإغلاق