يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين التنقل في الموقع وتحليل استخدام الموقع والمساعدة في جهود التسويق. تحقق من سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا للحصول على التفاصيل.
جلس ثلاثة سوريين مغتربين في مونتريال الكنديّة إلى طاولة واحدة. يَذكُر رأفت، وهو وافد جديد إلى مقاطعة فرنسية اللغة والثقافة، أنَّ مُدرّسة اللغة الفرنسيّة في المعهد الذي الْتَحق به أخيرًا، احتفَت بطريقة ما بأن الفرنسيّة في مونتريال -وإن لم تكن لهجة واضحة ومحددة- أهمُّ ميزاتها هو تنوع لهجاتها تبعًا للقالب اللغوي، الذي ينتمي إليه الوافد أو المهاجر الذي ينطق بها. ويُتابع رأفت: "كانت الآنسة لها ملامح هجينة بين إفريقية ولاتينية". فردَّ عليه السُّوري الآخر، الذي انتهى لِتَوِّهِ من مرحلة تعلّم الفرنسية في "الفرانسيزاسيون": "إن التنوع سيف ذو حدّين. فيمكن أن يكون نعمة عندما تَحْكمه قوانين حرية الدين والانتماء والتعبير الهويّاتي، أو يكون نقمة". فلم يشرح السُّوري الآخَر معنى النقمة هنا، بِسِوَى إلحاقها بكلمة واحدة: "كبلادنا".
قبل خمس عشرة سنة تمامًا، كان رأفت يؤدّي خدمته العسكرية الإجبارية في ثُكْنَة عسكريّة تبعد كيلومترات قليلة عن مدينة حلب، ويسكن غرفة تضم ثلاثة عشر شابًّا، جميعهم من الخريجين الجامعيين، ويَخضعون لِما كان يُدْعى "دورة المثقفين". دخل الغرفة ضابط برتبة نقيب، وأمَرَ ثلاثة من الشباب بأنْ يرافقوه إلى مكتبه. اختفى الشبان في مكتبه مدة ساعة تقريبًا، وعندما عادوا سأل رأفت أحدهم عن سبب الزيارة، فامتنع من الجواب مدة ثلاثة أيام، ثم باح بما يختلج في صدره بعيون دامعة: "إنَّ تقريرًا ورد للنقيب يشي بأنَّ شبَّانًا ثلاثة مارسوا الصلاة معًا في الغرفة". لقد وجّه إليهم النقيب إذ ذاك تنبيهًا شديد اللهجة، مهدِّدًا بعواقب وخيمة إذا تكررت هذه الحادثة، وكان يصرخ فيهم بـ "قاف" غليظة متماسكة صلبة كالجدار، قائلًا: "القانون فوق الجميع". تلك القاف كانت يومًا ما "أداة سلطة"، اختتم رأفت قوله.
لم يجانب رأفت الحقيقة. ففي يوم ليس ببعيد، كانت لهجةُ النقيب الذي هدد المصلّين واحدةً من اختصارات الممارسات السلطوية الديكتاتورية، وأداة تعبيرٍ عنفي في التفكير الجمعي السوري. فكم من صغار السُّلطة درَّبُوهم لتشتدّ سلطتهم على من حولهم، وكم مِمَّن لا يملكون السُّلطة ادّعَوا امتلاكها، وغيّروا لهجاتهم بهدف النجاة من سلطة حاجز أو مُحقِّق، أو ربما طمعًا بكسبٍ ما.
"القاف" ذاتها، لا بدّ أن كثيرين يخفّفونها اليوم، أو يحاولون ضبطها في حديثهم العام، لِما تَحْمله من ذاكرة من جهة، ولِما قد تُعبّر عنه من هوية صاحبها من جهة أخرى. لقد قُلبَت الأدوار، وفقَدَت تلك القاف مفعولها السابق بسقوط النظام السوري، غيْر أنها ما زالت تَحْمل دلالتها التمييزيّة. أيضًا اللحية الطليقة والشارب المُخفَّف، كانا -ولا يزالان- يَحْملان دلالة هوياتيّة دينيّة، إلَّا أنه انقلب موقعهما في خريطة القوى واختصارتها الشكلانيّة واللغويّة والتعبيريّة، التي يمكن ببساطة أن تُطوّر نفسها لتصبح أداة سلطة، إن لم تكن قد فعلت ذلك أصلًا في مواقع شتّى.
قد يبدو أن مطالبة السوريّين اليوم بالتخلّي التام عن اختصار الآخر الديني بمكوناته الشكليّة واللغويّة، ضرْبٌ من الخيال، في ظل استقطاب يتزايد باطِّراد مع تزايد نشوة انتصار المنتصرين، وتفاقُم المظلوميّات في ظل الغياب الواضح للعدالة. لكن ما يمكن التلويح بقوّة بأهمّيته، هو أن موضوع حرية الانتماء الديني وممارسة الشعائر، بل اتِّباع الفرد لِمن يشاء من دعاة أو قادة أو مشايخ أو أصحاب طرائق، إنما هو أحَدُ المكتسبات الثوريّة التي ليس في الإمكان حمايتها، إلا باعتبارها حرية خالصة خاصّة بالفرد، ولا يحق لأي جهة أو طرف التدخل فيها، أو السخرية منها، أو المحاسبة على أساسها، أو تحميلها وِزْر موقف سياسي. لذلك، فإنَّ اختصارَ الطوائف والجماعات الدينية والمذهبية، التي تملأ الجغرافيا السورية رِيفًا ومُدُنًا بِناءً على مواقف القادة الدينيين، واعتبارَ ممارسات الأفراد الدينية، أو حمْلَهم الشعارات الدينية الخاصة بهم، أو حتى التغنّي والتمثّل بالقادة الدينيين، وكأنها ممارسات سياسيّة تستوجب الاستعداء والقمع من أصحاب القوّة – كلُّ ذلك يقُود بتدرّج سريع نحو إعادة تكوين شخصية النقيب الذي يحارب صلاة الشبان، أو المحقق الذي ينتف لِحَى الحُجّاج.
مارس نظام الأسد واحدًا من أسوأ سلوكيات الطغيان الأخلاقي، وهو استهداف دين الفرد وإذلاله عَقَدِيًّا، وهذا ما أنتج رضوضًا لا تشفيها إعادة إعمار، ولا تقي من نتائجها مؤتمراتُ الحوار، ولا تُقوّض من قدرتها على تعميق الشروخ الاجتماعية الخطاباتُ السياسية ولا خطب المساجد، وإنما يتحقق ذلك برأيي بالقانون المدني الذي يجد على أرض الواقع قوًى تنفيذية تتعامل بصلابة لا لِين فيها، وتحمي قداسة حرية الفرد الدينية، وحرية التعبير عن هويتّه أنّى كانت.
إن القانون المدني لا يقع أبدًا في موقع المثالية الأخلاقية أو السياسيّة، ولا في التنظير العلماني غير الآخذ بعين الاعتبار التصحر الاقتصادي والاجتماعي والسياسي السوري. إنما يقع ذلك تمامًا موقع المصلحة العامّة، والمنطق الأخلاقي الإنساني. وهو منطق "تكافؤ الكرامة"، الذي نادى به المفكّر الكندي "شارل تايلور" قبل عقود، فأثَّر عميقًا في الدولة الكندية الحديثة، وفي قيم مجتمع إقليم "كيبيك"، الذي مرّ بمراحل عصيبة سادت فيها العنصريّة والتمييز، قبل أن يحقِّق منطقَ "تكافؤ الكرامة"، الذي يتضمن مبدأ مقدّسًا، بحسب قول تايلور: "الحرية الدينية ليست رأيًا، بل متطلَّبًا أخلاقيًّا لحماية الكرامة الإنسانية".
مقالات الرأي المنشورة في تعددية تعبر عن رأي الكاتب/ة، ولا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة.
إعادة نشر أي مقال مشروطة بذكر مصدره "تعددية"، وإيراد رابط المقال.