الرجوع

عن العنف ضد المرأة في الأردن

الإثنين

م ٢٠٢١/٠٧/١٢ |

هـ ١٤٤٢/١٢/٠٣

تَدفع النساء في الأردن غاليًا ثمن الإقامة في عُهدة قساة ومستبدِّين ومشاريع القتَلة، وثمن قوانين تتمادى وترفض التغيير، متسلحة باعتبارات وعادات وتقاليد اجتماعية متحيزة ومسيئة للقيم والأخلاقيات الأصيلة للمجتمع الأردني. ومهْما اختلفت الروايات وتعددت مسارح الجرائم، فإنَّ صرخات المغدورات تبقى متشابهة. ومن عادة القاتل في كل جريمة أن يقتل ضحيته مرتين: الأولى حين يسلبها أمْنها وطمأنينتها، والثانية حين يسلبها حياتها. 

"رانيا العبادي"! ماتت هذه الفتاة (21 عامًا) في الأسبوع الثالث من شهر حزيران/يونيو، على إثر تعرُّضها لضرب عنيف بسلك كهربائي مزَّق جسدها؛ إذ رتَّب لموتها والدها الذي لا يجيد الحياة، ولا يتقن الرحمة. الضحية كانت في السنة الدراسية الأولى، وتَدرس في الجامعة على حساب منحة دراسية. وفي يوم الجريمة كان والدها قد عرف أنها حصلت على معدل علامات متدنٍّ، وأنها قد تخسر تلك المنحة. فما كان منه إلا أن أحضر سلكًا كهربائيًّا، وبدأ بضربها دون انقطاع حتى لفظت أنفاسها. وجاء في تقرير الطب الشرعي أن الكدمات غطت 50% من جسدها، وأن جثة الضحية لا يوجد عليها أية آثار غير الضرب المفضي إلى الموت.

صرخات "رانيا" المكتومة استحضرت صرخات "أحلام"، التي قُتلت بدم بارد من قِبل والدها العام الماضي، وأثارت غضبًا وجدلًا واسعَين في الشارع الأردني، لتفتح المجال للحديث في العنف الأسري من جديد.

وقد عزا الكثيرون/ات أسباب اشتداد ساعد العنف على النساء في الأردن في الآونة الأخيرة، إلى تداعيات جائحة كورونا التي أعاقت الاقتصادات الكبرى في العالم، ومسَّت حياة البشر جميعًا، وساهمت في مضاعفة الصعوبات المالية للأفراد. ثم إنَّ نساء كثيرات قد أُجبِرن بسبب سياسات الإغلاق على أن يَلزمن بيوتهن كحال الكثيرين/ات، في وقت كانت فيه خدمات دعم الضحايا معطلة، والوصول إليهن متعذِّرًا. وقد سجلت معدلات الجرائم الأسرية ارتفاعًا ملحوظًا عام 2020 (بحسب التقرير الإحصائي الجنائي للأمن العام الأردني)، وشهدت شهور الحظر الشامل أعلى نسبة خلال العام الماضي. وأيضًا شهد عام 2021 حتى كتابة هذه السطور وقوع 9 جرائم قتل بحق إناث. 

هل نبالغ إنْ قلنا إنَّ نساء كثيرات دفَعْن -ولا يَزَلْن يدفعن- ثمن قرار اتخذه رجل توهَّم أنه يمتلك حياتهن، لمجرد أنه والد أو أخ أو زوج؟ وهل نبالغ إنْ قلنا إنَّ القضاء على ثقافة الصمت لدى النساء والفتيات المعنَّفات، والمتمثل بعدم إبلاغ الجهات الرسمية عند تعرُّضهن لأي شكل من أشكال العنف، يرتبط مباشرة بإمكانية تغيير الثقافة المجتمعية السائدة التي تستخفُّ بحقوق المرأة، وأبسطُها طلب الحماية من المراكز الأمنية ومنظمات المجتمع المدني المعنيَّة بحقوق الإنسان؟ وهل نبالغ إنْ قلنا إنَّ الإنسان فينا يجب أن يثور على كل تلك الحيوات المهدورة بكافة الوسائل القانونية والثقافية، لضمان تحصين المرأة من الخوف، وحمايتها من العنف؟ 

ثم أين الإعلام المحلي من تعرية الظواهر الاجتماعية الشاذة والجرائم اللاإنسانية، التي تُرتكب بحق النساء؟ 

الرسالة التي يجب التقاطها، والتي دفعت ثمنها "رانيا" وقَبْلها "أحلام" وقبْلهما الكثيرات، هي ضرورة الْتِفات الحكومة -على نحوٍ جِدِّي- إلى التعديل والتطوير لِلتشريعات المتعلقة بحماية النساء من القتل والعنف الأسري، وتوفير الحماية والمأوى لهن -إذا ما لزم الأمر-؛ إضافة إلى ضرورة تعديل عدد من المواد في قانون العقوبات الأردني، خاصة الأحكام المتعلقة بإسقاط الحق الشخصي في جرائم القتل الأسرية عن الجاني باعتباره سببًا مخفِّفًا للعقوبة، ورفع الحد الأدنى لها حتى تكون رادعة لكل مَن تُسوِّل له نفسه ارتكاب مثل هذه الجرائم.

لا نحتاج إلى مطرقة هائلة لتوقظنا، بل نحتاج إلى جيل واع يعرف واجباته وحقوقه -وأهمُّها حقُّه في الحياة-، وإلى مجتمع يؤْمن بأن تمكين المرأة يبدأ أوَّلًا من حريتها، وإلى قوانين رادعة، وإلى ثقافة جديدة تُعلِّم المرأة أنها لن تنعم بالسلام أبدًا إن لم تخُضْ حربها ضد الخوف (الحارس المُخْلص للعنف)، لأنها -ومِن هذا المنطلق وحده- ستصدِّق أنها وابنتها -في المستقبل- تستحقان عالَمًا خاليًا من ثنائية السيد والعبد.

 
جميع الحقوق محفوظة © 2021
تصميم وتطوير Born Interactive