الرجوع

مدرسة الروابي للبنات: نصٌّ خارج النص

الخميس

م ٢٠٢١/٠٩/٢٣ |

هـ ١٤٤٣/٠٢/١٦

بعد انتحار ابنته وسجن ابنه، أدرك عرَّاب هوليوود "مارلون براندو" جزءًا من الحقيقة، فقال: "كل إنسان قادر على الكراهية، وكل إنسان قادر على الحب، ونحن نُؤَقلم أنفسنا بطريقة أو بأخرى، فيمكن أن نصبح قتلة، ويمكن أن نصبح صالحين"! 

من خلال هذه الفكرة، وعلى امتداد 6 حلقات، قرأتُ أحداث مسلسل "مدرسة الروابي للبنات"، الذي أخرجته الفنانة تيما الشوملي، وقامت بتأليفه مع شيرين كمال. وعلى الرغم من أن العمل قد احتل موقعًا متميزًا على منصة نتفليكس العالمية، وتَصدَّر التريند في عدد من الدول العربية عقب طرحه بساعات قليلة، بَيْد أنه أثار الكثير من زوابع الكلام التي انفجرت عبر منصات التواصل الاجتماعي، حول محتواه الذي حمل مضامين لم تكن مطروقة في الدراما الأردنية، حيث تبرأ منه الكثيرون -وعلى رأسهم نقيب الفنانين الأردنيين- لاعتبارات أخلاقية ومهنية جمة بحسب تعبيره. وهذا ما حدث غيْر مرة مع مسلسل "جن" -وإن كان ضعيفًا جدًّا من الناحية الدرامية- بدعوى أنه لا يمثل المجتمع الأردني ولا المدارس الأردنية، وأنه يسعى إلى هدم قيم المجتمع وأخلاقياته وتكريس سلوكيات دخيلة عليه.

الجدل الذي أثاره العمل -وهو جدل تقليدي بالمناسبة- يعود إلى زمن قديم. وسَيْل الاتهامات الذي طال صناع العمل، واللغة الصَّلِفة في الخطاب المستخدم، كلها تنتمي إلى منهج مريض بتأليه المجتمع، والاستمتاع بجَلد الآخر وإهالة التراب على أفضل ما لديه. اللافت والغريب معًا، أن فئة كبيرة ممن يكيلون هذه الاتهامات هم من الغالبية المثقفة، والمنخرطة في العمل الفني. هؤلاء بيننا، لا تعنيهم برأيي الحقيقة، ولا شأن لهم بالفن، وأكثر ما يغضبهم كلام الناس! 

طرَح العمل –مثار الجدل- ثِيمات (مواضيع أساسيّة) عدة حول مفهوم الأسرة، والتناقض بين التزام العادات والتقاليد الاجتماعية من ناحية، والرغبة في الحرية من ناحية أخرى. وتطرَّق أيضًا إلى مخاطر مواقع التواصل الاجتماعي، والتحديات التي تواجهها الفتيات في سن المراهقة. أيضًا سلط الضوء على الفساد، وسطوة أصحاب المناصب، وجرائم الشرف والتحرش الجنسي، وانتشار السلاح، ووصمة العلاج النفسي. غيْر أنَّ الثِّيمة الرئيسية لأحداث المسلسل كانت حول التنمر، وما يفضي إليه من صراع بين ثنائية الخير والشر. 

ومما لا شك فيه، أن تجربة "مدرسة الروابي للبنات" كشفت عن تحوُّل كبير في النضج الدرامي، وفي المنظور والتقنية الفنية. وقد اقترن هذا النضج بالشخصيات التي امتلكت استقلالها وحريتها في التعبير، من خلال حوار سردي واقعي حاكَى فئة المراهقين، وسخريَّةٍ لاذعة سخَّرَت نفسها للبعد الإنساني في رؤية القضايا. وقد بدا جليًّا هذا التحول في انتقال التأليف والإخراج والتنفيذ والأداء، من الإطار المنغلق على نوع معيَّن من المسلسلات التي اعتادها الشارع الأردني، إلى إطار جماعي متعدد ومنفتح. والسر يكمن في أكثر من اعتراف. 

الاعتراف الأول أن ما وجده بعضهم مستفزًّا لحفيظة المجتمع الأردني من ألفاظ وأفعال، موجود بالفعل ويتكرر في أوساط المراهقين/ات، ليس في الأردن فقط، إنما في جميع أنحاء العالم. 

الاعتراف الثاني أننا لا نملك قوًى خارقة تُمكِّننا من الحضور مع أولادنا في كل مكان وزمان، ولن نكون على دراية تامة بما يحدث معهم وأمامهم. فهم بالضرورة معرَّضون يوميًّا لمَشاهد حياتية مشابِهة لما أتى به المسلسل، والاشتباك مع عالم شاسع مملوء بالملائكة والشياطين. 

الاعتراف الثالث -وهو أبعدُها- أن تربية الأولاد ليست أسهل الأدوار في الحياة، ومواجهة التحديات فيها أجمل ما فيها.

الاعتراف الرابع أن العمل في مجمله حمَل الواقعية المستمَدة من تجارب أفراد المجتمع، وفتح أبوابًا مغلقة، وطرح أسئلة صائبة وجارحة في بعض الأحيان، واستشرف المخبوء وغير المرئي بعد أن كشف الغطاء عن عين المجتمع العمياء.

ولعل الخبر الجيد -كما تلقَّيتُه بعد مشاهدة العمل- أن فتيات مدرسة الروابي قدَّمن أداءً مدهشًا فاق القلم في التعبير، وأعَدْن صياغة المَشاهد، فصارت أكثر متعة وإقناعًا. أما الخبر السعيد، فهو أن في الأردن مَن أدرك أخيرًا أن الفن الحقيقي لا يقف في الصف الخاسر للحقيقة، وإنما يتجاوز كل المُعوِّقات والموروثات، نافذًا إلى ما هو أعمق وأصدق.

جميع الحقوق محفوظة © 2021
تصميم وتطوير Born Interactive