الرجوع

“بازَار” النظام والوطن

الثلاثاء

م ٢٠١٨/١٠/٢٣ |

هـ ١٤٤٠/٠٢/١٣

النظام والوطن، مفردتان مختلفتان لغة ومعنى. لكن، شاءت الأقدار في البلاد العربية، أن يجري الخلط بين اللفظَين والدمج بينهما. فيُصبح لا فاصل بين مكوَّن قائم على مجموعة من مؤسسات الدولة (النظام)، وأرض ننتمي إليها، حتى وإن كنَّا غير مُقيمين بها (الوطن).

التعريف التقليدي للنظام السياسي، يُشهَر بأنه علاقة بين الحاكم والمحكوم. حاكم مستبدّ يفرض على رعيته فروض الطاعة، أو ديمقراطي يخدم المحكومِين ويَعتبر نفسه موظَّفًا ساميًا في الدولة، له فترة حكم لا تمتدُّ مدى الحياة. التوصيف المختلف بين حاكم مستبدّ وآخر ديمقراطي، يُدخلنا في جوهر القضيّة: متى يجري الخلط بين النظام والوطن؟

في النظام الشمولي (يسمى أيضًا ديكتاتورية)، تتشابك السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، لتَصبَّ في خانة واحدة تسميها العامة بإجلال: زعيم/ أو السلطة.  "ماكس فيبر" مثلًا: يرى أن النظام السياسى هو الذي يحتكر الحقَّ فى الاستخدام الشرعي للقوة، ويحدِّثنا بأن النظام هو السلطة السياسية، وهي بالنسبة إليه سعي بالقوة إلى النفوذ. لكن الوطن أبسط من هذا، وأكبر من مجرد سعي لبسط السلطة وفرض النفوذ واحتكار استخدام القوة. الوطن قد يكون فيك وأنت لم تَطأ أرض ذاك الوطن يومًا، لأنك مَنفِيٌّ مثلًا. لكنك تشعر بالانتماء إليه، دون خوف من تلك السلطة التي يصورها النظام. ولكن، مع وضوح الاختلاف، لماذا يسعى من يمثِّلون الأنظمة الاستبدادية إلى احتكار فكرة الوطن وعجنها بالنظام، فيصبح كلُّ منتقد للنظام "كارهًا للوطن عميلًا خائنًا" حسب تقييمهم؟

أليس كلُّ تمويه بأن النظام هو الوطن، محاولةَ سطو على الشعب، وعلى الذاكرة الجماعية، وعلى مستقبل أجيال، وعلى مصائر أفراد غرَّدوا خارج السرب؟ لماذا يختزلون الوطن في الحاكم، فيُختصر البلد وشعبه ومستقبله؟ أيُعقل أن يكون الوطن ملخَّصًا في ذات بشرية واحدة، فيقاس مدى انتماء الفرد إلى وطنه بمدى ولائه للحاكم؟ وما يعني الولاء تحديدًا؟ هل هو الشد على يد الحاكم حتى إن كان ظالمًا؟ هل الولاء هو موافقة الحاكم حتى وإن ذهب به جنونه إلى حدِّ التخلص من مُعارضيه؟ لماذا لا يكون الولاء للحاكم بنصحه حين يخطئ، وإرشاده إلى الحقِّ حين ينحرف عنه، وتصويبه حين تزلُّ قدمه؟ لماذا الخلط بين الولاء للحاكم والانتماء إلى الوطن؟ فكلَّما زادت درجة ولائك للحاكم أطلقوا عليك صفة "وطني"، ومنحوك وسام "الوطنية"، وكأنَّ الوطنية "بازار" فيها عرضٌ وطلب! ولكي تشتري لقب "وطني" عليك أن تدفع ولاءً، وكلّما زدت في الولاء، تكدَّسَت وطنيّتك واكتنزت.

في بعض البلاد، بلغ بهم الأمر في "بازار" الوطنية إلى سحب الجنسية من معارضين للنظام، لا لشيء إلا لأنهم انتقدوا الحاكم، واستخدامَه المفرط للقوة ضد متظاهرين. هنا، يبلغ الخلط درجة العمى، بين الولاء والانتماء. مَن لا يُوالِ النظام، فهو خارج ليس فقط عن الملّة بل عن الوطن، ويصبح نفيه وإسقاط جنسيته "عملًا وطنيًّا".

‏بعض الحكام لم يجمعوا السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية فقط، ولم يختزلوا الوطن في صورتهم فقط، بل أضافوا إلى ذلك سطوة دينية؛ ما يجعل انتقاد الحاكم ليس فقط ممنوعًا بل محرَّمًا. فالسطوة الدينية تلك التي منحوا أنفسهم إيَّاها، لم تكن بلبس العمامة، بل بالاستقواء برجال الدين في بلادهم وجَلْبهم إلى البلاط. فيصبح الحاكم محاطًا بهالة القداسة الدينية، إلى جانب احتكار الوطن. والطامَّة الكبرى ليست فقط في بطش الحاكم الوحيد الأوحد، الذي وضع يده على الوطن، وشرَّد مُعارضيه وكال بالمكيالَين، بل في تغلغُل هذا الخلط بين الوطن والنظام، لدى فئة واسعة من أتباع الحاكم الشمولي، الذين استمدُّوا من بطشه وظُلمه قوةً للبطش بمواطنين آخرين، خطيئتهم الوحيدة أنهم ليسوا مُوالِين للحاكم.

تلك الفئة "الموالاة"، وبعد ان استمدَّت قَبسًا من جبروت الحاكم، أقامت محاكم افتراضية، وأخرى حقيقية، لِتتَبُّع المعارضين والتشهير بهم والتحريض ضدهم. وهنا، تصبح الوطنية شمَّاعة الظالمين حُكّامًا وعامّة. فبِاسمها يجري تتبُّع المختلف معهم في الرأي، وتتبُّع المستقلِّ برأيه غير التابع لهم أيضًا. وكلُّ مستقلٍّ، لا يقلُّ "خيانة" عن المعارض، لأنه برأيهم يكيد للوطن، متواطئ مع أعدائه.

يا خائن! قالها شخص وهو يخاطب معارضًا. هكذا تُختصر الحوارات في بعض البلاد. فمقارَعة الفكرة لا تُقابل بالفكرة، بل بخطاب التخوين، الذي يُسقط فكرة الوطن كجامع لأفراد مختلفين، لكي يؤسِّس وطنًا آخر، يمثِّله حاكم وحاشيته وصحافته الناطقة باسمه، وبلطجيَّته الذين يتعقبون كلَّ المعارضين.

مقالات الرأي المنشورة في تعددية تعبر عن رأي الكاتب/ة، ولا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة.

إعادة نشر أي مقال مشروطة بذكر مصدره "تعددية"، وإيراد رابط المقال.

جميع الحقوق محفوظة © 2024
تصميم وتطوير Born Interactive