الرجوع

أمازيغ تونس: تهديد أم غنى؟

الجمعة

م ٢٠٢٢/٠٣/١١ |

هـ ١٤٤٣/٠٨/٠٨

لم يندثر وجه جدتي المتوفاة قبل أكثر من عشرين عامًا من ذاكرتي. فتلك الوشوم المنتشرة في الجبين والذقن، تسحرني منذ طفولتي إلى اليوم. في صغري لم أعرف معانيها، وببراءة الطفولة كنت أسألها عنها، فتجيبني: "هي مجرد زينة". وما زاد من حيرتي حينها، أن الكثيرات من النسوة لديهن وشوم في أنحاء مختلفة من الجسم. ولكن قبل أشهر قليلة، عندما كنت أتصفح الإنترنت، طالعتُ "ربورتاج" عن تاريخ الوشم ومنبعه الأصلي، وانبهرت بما اكتشفته من أصالة وعراقة ومعانٍ. 

الوشم ليس للدلالة الجمالية فقط، وإنما هو إثبات انتماء وهوية. وفي تونس، الوشم يرجع إلى الموروث الثقافي للسكان الأصليين "الأمازيغ"، ويطلق عليه باللغة الأمازيغية "تِكاز". الأمر يتعدى كونه رمزية جمالية، إذ في معتقداتهم يعتبرونه طاردًا للأرواح الشريرة، ومبطلًا للسحر، ومانعًا للعين والحسد، وشافيًا من الأمراض، وحاميًا من الأوبئة، وجالبًا للرزق. فتلك الوشوم برموزها المختلفة، تُكوّن فسيفساء تروي للأجيال اللاحقة عراقة هذه الحضارة، وتعكس النظام التقليدي والثقافي لتلك المجتمعات.

من محاسن الصدف، أنني كنت مشاركة في أحد التدريبات بجزيرة "جربة" التونسية. بعد انتهاء التدريب جلسنا في استراحة مدة نصف ساعة، وكان بجانبي أحد المشاركين من سكان الجزيرة، يتحدث بهاتفه بلغة غير مفهومة. ركّزتُ سمعي ولكن دون جدوى، لم أفهم شيئًا مع أن بعض الكلمات شبيهة باللهجة العامية. انتظرت إلى أن انتهى من مكالمته ثم سألته عن اللغة التي تحدث بها، فأخبرني بأنها الأمازيغية، وعبّر عن تأسُّفه على اندثارها رغم محاولات إنعاشها من المتمسكين بجذورهم وهويتهم، مؤكدًا أن تمسُّكه بلغته نابع من افتخاره بانتمائه، وأنه لا يخجل من المجاهرة بذلك. 

اندمجنا في الحديث في العادات والتقاليد الأمازيغية، واكتشفت أنها عادات وموروثات متغلغلة في المجتمع التونسي، على الأقل في الجنوب، حتى إن بعض الكلمات الدارجة مثل: "غنجاية" أيْ ملعقة، "العافية" أي النار، "بكوش" أي الأبكم، والتي نستعملها بشكل يومي، مصدرها أمازيغي! أما بشأن الصعوبات التي يواجهونها من أجل الحفاظ على تراث الأجداد، فقد أخبرني بأنهم يتعرضون لتضييقات على الحريات الفردية والجماعية، وأيضًا لتهميش الحكومات المتعاقبة، وضعْف الموارد المخصصة في الميزانية لحماية تراثهم الثقافي وآثارهم وثقافتهم، ورفْض الاعتراف باللغة الأمازيغية باعتبارها لغة وطنية، حتى إنه كان يُمنع عليهم تسمية أبنائهم بأسماء أمازيغية في سجلات الحالة المدنية! كنت أعتقد أن التشريعات التونسية -ومنها الدستور- ضمِنت للأقليات حرية ممارسة طقوسهم ومعتقداتهم، ولكن الواقع والممارسات بعيدة كل البعد عن النص القانوني. 

كيف يُعقل أنْ تجمعنا نفس الرقعة الترابية، مع أن أصلنا ربما واحد، وتَمتُّعنا بالحقوق يختلف لأنهم أقلية فقط؟ ألسنا في دولة القانون؟ ألسنا في دولة مدنية تحترم حقوق المواطنين/ات سواء أغلبيةً كانوا أو أقليات، أم هي مجرد شعارات تُرفع، ونصوص كُتبت ذرًّا للرماد؟ 

بينما تراودني الأفكار وتتزاحم الأسئلة، قاطع تفكيري تدخُّل أحد المشاركين -الذي يبدو أنه كان يتابع حديثنا- منتقدًا. فبحسب رأيه أن الاعتراف باللغة الأمازيغية لغةً أصلية، يُعتبر ضربًا للوحدة الوطنية ولعروبة الشعب التونسي. من وجهة نظره أنه من غير المعقول أن يجري تدريس هذه اللغة وإدخالها في المنهج التربوي، نظرًا إلى أن الأمازيغيين يمثلون أقلية في تونس، وإنْ جرى ذلك فإن كل الأقليات العرقية والدينية والجنسية، ستطالب هي أيضًا بتشريعات أو حقوق أو مميزات توضع على مقاسها. 

نظرتُ إلى صديقي الأمازيغي منتظرة ردَّ فعل فوريًّا، إلا أنه ابتسم قائلًا: "هذا ما كنت أحدّثك به. مَن يطالب بحماية هويته، يُتهم دائمًا باتهامات غير واقعية ولا أساس لها من الصحة. لقد اعتدنا التخوين والترهيب، ولم يعد يؤثّر فينا، ولكن أسفي على الأفراد والجماعات الذين لا يؤمنون بحق الآخر في الاختلاف ويغيِّبونه، ويتشدّقون بأنهم مدافعون عن حقوق الإنسان". ومن المفارقات، أننا نَحضر اليوم تدريبًا عن حقوق الإنسان المضمَّنة في المعاهدات والاتفاقيات الدولية، إضافة إلى التشريع التونسي ومقاربة حقوق الإنسان. 

أنا أتذكّر مداخلة هذا المشارك. فقد كانت مداخلة رنّانة حُفرت في ذاكرتي: "الدولة ملزَمة ضمان حقوق كل المواطنين دون تمييز من أي نوع كان. فالمواطنون متساوون في الحقوق والواجبات، بغض النظر عن الجنس أو العرق أو الدين أو المعتقد أو اللغة". شتّان بين مَن يركِّز الإيمان الحقيقي بالقضية الحقوقية ومَن يرتضي النفاق مبدأً ويبيع الكلام.

الأمم تُبنى على أساس الحوار وقبول الآخر على اختلافه، وليس على المواقف الإقصائية والصور النمطية، أو على ثقتنا بصحة قراءتنا للأشياء والمواقف والأحداث. الحقيقة الواحدة لا يملكها شخص واحد، كثيرون منا يعتبر نفسه على صواب والآخر المختلف على خطأ، أو نحن على بيِّنة وهم على ضلال. الفهم الجمعي لا يُبنى على التفرّد والأحادية، بل على التنوع والتعدد والاختلاف.

 

مقالات الرأي المنشورة في تعددية تعبر عن رأي الكاتب/ة، ولا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة.

إعادة نشر أي مقال مشروطة بذكر مصدره "تعددية"، وإيراد رابط المقال.

جميع الحقوق محفوظة © 2024
تصميم وتطوير Born Interactive