الرجوع

غزة: شهد شاهدٌ من أهلها

السبت

م ٢٠٢٣/١١/١١ |

هـ ١٤٤٥/٠٤/٢٨

وجوهٌ غزِّيّة بتنا نعرفها جيدًا منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر؛ شبان وشابات وجدوا أنفسهم قد تحولوا بين ليلةٍ وضحاها إلى صحفيين، ينقلون الحدث في لحظته على الرغم من انقطاع الإنترنت المستمر عن غزة، وضعف الشبكة. فيصورون المجازر الوحشية والإبادة الجماعية التي يتعرضون -هم وعائلاتهم وأصدقاؤهم- لها، ويوثقون التفاصيل اليومية التي انقلبت رأسًا على عقب منذ بداية العدوان، كالبحث عن الطعام والماء اللَّذَين بات الحصول عليهما أشبه بالمعجزة. يصور لنا "صالح" الخط الطويل للغزِّيِّين المصطفِّين أمام أحد الأفران القليلة الباقية، لأن العديد منها قد قصف، وبعضها الآخر خارج الخدمة لعدم توافر المواد الأولية، إضافة إلى طوابير أخرى أمام صنابير المياه العذبة، التي يغادرونها في أغلب الأحيان خالين الوفاض. هناك مقطع آخر لـ "بيسان" تتحدث فيه إلى طفلٍ نجح في الحصول على الخبز والمياه، والابتسامة تملأ وجهه اللطيف. يحكون لنا قصصهم وأحلامهم الكبيرة قبل العدوان، وكيف تحولت اليوم إلى حلمٍ وحيدٍ مشترك، وهو النجاة.

معتز عزايزة، وبيسان، وبليستيا، وصالح، وإسماعيل، وعبود، وغيرهم/نّ كثيرون، شهدوا على الحروب المتتالية التي شنّها الاحتلال الصهيوني على غزة. منذ صغرهم/نّ، وهم يعيشون تفاصيل الحرب القاتلة في أكبر سجنٍ مفتوح على وجه الكرة الأرضية، ولكن شبان غزة وشابَّاتها اليوم لم يسمحوا بالتعتيم الإعلامي على قضيتهم. لذا، استخدموا صفحاتهم الخاصة على منصات التواصل الاجتماعي المختلفة، لفضح جرائم العدو وإظهار حقيقته المروعة، ولتعريف العالم بأسره كيف هي الحياة في غزة، محاولين تحريك الرأي العام الدولي للوقوف إلى جانب الحق في وجه الشر المطلق. فهل يسمع أحد، أم أصَمَّتِ المصالحُ الاقتصادية التوسعية الاستعمارية والتبعية العمياء آذانَ الدول العربية والغربية على حد سواء؟

"مرحبا. أنا بيسان، ولِسَّه عايشِة!". هكذا تبدأ ذات الـ 25 عامًا مقاطعها المصورة، حيث استطاعت أن توثق ما لم ترصده وسائل الإعلام الكبرى العربية؛ أما الغربية فتكاد لا تتبنَّى سوى الرواية الإسرائيلية، وتدافع عنها. أسست بيسان مع أصدقائها مكتبًا لصناعة المحتوى الرقمي في غزة، جرى قصفه في الأيام الأولى للعدوان. من خلال برنامجها "حكواتية"، كانت بيسان تحكي عن غزة بتفاصيلها، وحكايات ناسها الطيبين. اليوم تُصور بيسان يومياتها ويوميات الغزيين في الحرب. أخذتنا معها إلى داخل الخيمة التي تعيش فيها في محيط مستشفى الشفاء، قائلة: "هون بنام اليوم، وبتذكَّر غرفتي الجميلة الي كنت معلقة على حيطانها أحلامي وطموحاتي". صرَّحَت لنا بصعوبة استخدام الحمَّام قائلة: "لازم نوقف بطابور طويل لنقدر نفوت ع الحمام، لهيك بفيق الساعة 4 الصبح لأقدر استخدمه". وفي مقطعٍ آخر تُعلن بيسان في وجه العالم: "أنا مش خايفة من الموت، خايفة من الحياة بعد الحرب كيف رح يكون شكلها بعد ما خسرنا بيوتنا، وعائلاتنا، وشغلنا".

إذًا، ما جدوى هذا التوثيق والمجهود الذي يبذله الغزِّيُّون، في حين لم يتحرك العالم لإيقاف المجازر المستمرة في غزة؟ في الحقيقة "أثرُ الفراشة لا يُرَى، أثرُ الفراشة لا يزولُ". إن ما يقوم به هؤلاء الشبان والشابات اليوم -على أهميته-، قد لا يحرك دولًا وحكومات ومنظمات دولية تدَّعي أنها تحترم وتحمي حقوق الإنسان، ولكن أثرُ تغطيتهم قد حرك بالطبع الكثير من شعوب العالم، لا سيما أولئك الذين كانوا قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر يتبنون الرواية الإسرائيلية المزيفة، أو الذين لم يكونوا على علم بالقضية الفلسطينية. لذا، كل تلك المقاطع والصور التي نُشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وعلى الرغم من التعتيم والحَجب الذي تقوم به شركة "ميتا" ضد كل ما يتعلق بفلسطين وغزة، استطاعت أن تصل إلى شعوب العالم أجمع. وهذا ما نراه جليًّا في تزايد الأعداد الهائلة للناس في المظاهرات والمسيرات والوقفات الاحتجاجية حول العالم، وحملات المقاطعة الواسعة، والضغط على الحكومة الأميركية من خلال عرقلة مجموعة من المحتجين الأميركيين لحركة باخرة تنقل أسلحة إلى الاحتلال.

أيضًا تَظهر أهمية هذا التوثيق في نقله محاولات الاحتلال تكرار سيناريو نكبة 1948 اليوم على أهل غزة، عن طريق عرض المناشير التي ألقاها الاحتلال على الأهالي، والتي يدعوهم فيها إلى إخلاء منطقة الشمال والذهاب إلى الجنوب، لإجبارهم فيما بعد على الخروج من غزة إلى سيناء. لكن اليوم لا يشبه البارحة في شيء، فالغزيون عبَّروا عبْر عدسات الكاميرات عن رفضهم ترك غزة، أو تكرارَ ما حصل عام 1948. 

غيْر أنَّ ما ظهر في مقاطع الفيديو والصور التي ما زالت تنتشر من غزة حتى اللحظة، يُعطي العالم صورة عن الظروف التي عاشها الفلسطينيون في النكبة، حيث لم يكن لديهم آنذاك القدرة على إخبار العالم بما يواجهونه بشكل مباشر وسريع؛ ما اضطَرَّ الأجدادَ إلى حمل حكاياتهم معهم إلى الشتات، ورواية القصة بعد حدوث النكبة بأعوام. أما اليوم، فشبّان غزة وشابَّاتها يستطيعون -ولا يزالون- رغم القصف الذي لا يتوقف، الاستمرارَ في نقل الحدث صوتًا وصورة، لعل العالم -الذي لم يكتفِ بعدُ بهذا الكم الهائل من المجازر- يتحرك!

مقالات الرأي المنشورة في تعددية تعبر عن رأي الكاتب/ة، ولا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة.

إعادة نشر أي مقال مشروطة بذكر مصدره "تعددية"، وإيراد رابط المقال.

إخترنا لكم

Alternate Text
جميع الحقوق محفوظة © 2024
تصميم وتطوير Born Interactive