الرجوع

أين نحن من اللباقة؟

الخميس

م ٢٠٢٢/٠٣/١٧ |

هـ ١٤٤٣/٠٨/١٤

تساءل أحد المغردين عن سبب امتعاض عميلة في أحد اجتماعات العمل، بعد أن ناداها بِـ"أم فلان"، واستغرب من تصرفها عندما طلبت منه أن يستخدم اسمها عوضًا عن ذلك. تكلم الرجل باستهجان، وكأن المرأة أتت بشيء غريب، في حين كل ما طلبته هو أن تنادى باسمها، وهو الذي "صنعته" ربما بسنوات من العمل والكد والدراسة، ومن حقها أن تنادى به.

يظن ذلك الموظف أن كل النساء يسْعَدن بمناداتهن بأسماء أولادهن الذكور، وهناك فعلًا من النساء من تحب الذوبان الكامل في عائلتها، فتستغني عن اسمها، حتى عن صورتها. فمثلًا: رأيتُ الأمر طبيعيًّا عندما وصلني طلب صداقة من سيدة اسمها "أم خالد"، وقد ظهر في الصورة "خالد" وكأن الأم غير موجودة إلا من خلال ابنها. هذا ما تعلمَته هذه المرأة من المجتمع، وهو أن أهميتها تكمن فيمن أنجبتهم، وخصوصًا الذكور. إنه تصرف يلغي كيانها، بل ويحمِّل ابنها أعباء التعويض، الذي قد لا يتمكن من مجاراته لصعوبة الحياة ومشقاتها. وبرأيي، المرأة "الأم" التي رفضت أن تنادى باسم ابنها، لا تنقص عن "أم خالد" في محبتها لابنها؛ إذ إنها وعَت أهمية وجودها في الحياة ذاتًا منفصلة، تصنع نجاحها بيدها، وأمًّا تعطي نفسها حقها، وتعطي ابنها حياته وحريته، دون أن تتوقع منه أن يهبها حياته في المقابل.

تغريدة الموظف جعلتني أستذكر موقفًا لصديقة ثلاثينية، عادت من البنك منزعجة، عندما ناداها أحد الموظفين بلقب "خالتي"، إذ أجابته متسائلة: "كيف أكون خالتك، وأنا وأنت في نفس السن؟". هذه المواقف يمكن أن تتكرر في أي مكان، لتفصح عن أزمة في اللباقة، وإن كانت مستهجنة في أماكن العمل، التي من المفترض أن يخضع فيها الموظفون للتدريب على أسس التعامل مع الزبائن، مثل: استبعاد كل ما من شأنه إزعاجهم، واستخدام الألقاب التي تعبر عن المهن، أو تعميم لقب أستاذ أو أستاذة على الجميع. أيضًا لا يجوز أن تنادى امرأة غير متزوجة باسم "مدام" مثلًا، ولا تستخدم الألقاب التي تُشعر بالتقدم في العمر، خصوصًا وأن هذه المصطلحات عادة ما تستخدم مع النساء. فلا يعطى الرجل لقبًا بناء على كونه متزوجًا أو أعزب، إذ يكفيه لقب "سيد فلان"، وهو لقب لا يعطي أي فكرة عن حالته الاجتماعية أو عمره.

تكلمت كثيرًا عن عنف المصطلحات، وخصوصًا تلك التي توجه إلى المرأة. وتحدثت ببعض الترجمات التي لا تراعي نفسية المرأة، كترجمة كلمة إنكليزية تعني بكل وضوح "انقطاع الطمث"، إلى جملة "سن اليأس"؛ ما يؤلم المرأة ويؤثر سلبًا في نفسيتها. إن هذه الترجمة أو استخدام ألفاظ تدل على حالة المرأة الاجتماعية ككلمة عانس أو مطلقة، لا يمكن فصلها أبدًا عن حالة عامة يبتعد فيها المجتمع عن اللباقة والاحترام، بل وتجعله يميل إلى العنف حتى في مصطلحاته، وخصوصًا تلك الموجهة إلى المرأة.

قد يقول قائل: إننا نركز على أمور صغيرة. إلا أنها تفاصيل مهمة يجب التركيز عليها، إن أردنا فعلًا أن نخطو إلى الأمام في مجال حقوق الإنسان. هناك كلمات كثيرة تَوقَّف بعضهم في العالم عن استخدامها احترامًا للحيوان، فكيف بالإنسان الذي هو كتلة من المشاعر والأحاسيس؟! لم يعد مقبولًا في أوساط كثيرة أن يقول أحدهم: "أريد شراء كلب أو قطة"، وأصبح من الواجب عليه استبدال كلمة "الشراء" بـ"التبنِّي"، لأن الحيوانات أرواح لا تشترى ولا تباع.

هناك مصطلحات يجب أن تُلغى من قواميسنا، كتلك التي حطت من قيمة المرأة وآذتها، وربطت وجودها وأهميتها بالرجل. هناك مصطلحات أخرى يجب تجنبها لأنها مؤذية، ولأنه من غير اللائق استخدامها. فلا نحتاج إلى علم يشرح لنا ما يجوز وما لا يجوز، بل كل ما نحتاج إليه هو التفكير السليم واستخدام المنطق. 

الأمر يبدأ بأن نرفض الكلام غير اللائق ونعترض عليه، حتى وإن أتانا على هيئة نكتة. رويدًا رويدًا، ومع الاعتراض المستمر، سنرى أن المجتمع بدأ يستجيب ويتجنب تلك المصطلحات التمييزية المؤلمة. الكلمة التي ننطقها مهمة، وقد تكون أحيانًا كالسكين في أذيتها، إن لم نراعِ فيها مبادئ اللباقة والأخلاق. وقد تكون كالنسمة العذبة تنعش المتلقي وتساعده على مقاومة صعاب يومه. الكلمة لا يستهان بها، فاختر/اختاري كلماتك بعناية.

مقالات الرأي المنشورة في تعددية تعبر عن رأي الكاتب/ة، ولا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة.

إعادة نشر أي مقال مشروطة بذكر مصدره "تعددية"، وإيراد رابط المقال.

الكلمات الدليلية

جميع الحقوق محفوظة © 2022
تصميم وتطوير Born Interactive