الرجوع

التطرف وصمت "السوشيل ميديا"

الثلاثاء

م ٢٠٢٢/٠٦/١٤ |

هـ ١٤٤٣/١١/١٥

"السوشيل ميديا سيف ذو حدين"، مقولة تتردد منذ سنوات مع ازدياد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي في بلادنا، تمهيدًا لانتقادها، دون نكران فوائدها. فهي من جهة سهلت التواصل، وقدَّمت لكثيرين وكثيرات منبرًا للتعبير عن رأيهم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، خاصة في الدول الديكتاتورية التي تقمع حرية التعبير. ومن جهة أخرى -بإتاحة ذلك المنبر للتعبير- سمحت بارتفاع بعض الأصوات التي تعبِّر عن آراء متطرفة، أو غير مألوفة، أو قد تُعتبر خاطئة.

شأن السوشيل ميديا هنا كأداة، شأن حرية التعبير كحق، فحرية التعبير لا تأتي مشروطةً بمضمون التعبير، وهي حق متاح للجميع ولو كان له تبعات قانونية محصورة في حالات بعينها، بحسب قوانين كل دولة، كالحض على العنف وخطاب الكراهية وما شابه.

بناء على أنماط استعمال السوشيل ميديا، يتأثر كثيرون وكثيرات من خلال تولُّد انطباعات سلبية فيهم عن آراء مجمل الناس مستخدمي هذه الوسائل، مثل: تعليقات غاضبة وربما شتائم ووعيد، بحق سيدة تروي في فيديو تجربة طلاقها المؤلمة، وتعلن فيه مبادرتها إلى تحسين أوضاع النساء؛ أو منشورات وتعليقات تصر على فهم متطرف للدين، وترفض أي محاولة لفهم مختلف ولو كان من صلب الدين وفي ضمن حدوده؛ أو التعبير عن رفض الآخر المختلف، والإصرار على التمسك السلبي بهويات وانتماءات، لا يشعر أصحابها بوجودهم إلا من خلال رفض هويات الآخر المختلف وانتماءاته. يَحدث هذا أحيانًا حتى دون قراءة المقال موضوع النقاش، حيث يُكتفَى بعنوانه أو الاقتباس القصير الظاهر منه. فمضمون تعليق معيَّن لأحد أولئك الناس، يوحي على نحو شبه أكيد أن كاتبه لم يقرأ المقال بكماله، وإلا ما كتب ما كتبه في تعليقه.

الوصول إلى أمثلة مماثلة ليس بأمر صعب على الإطلاق. فبمجرد متابعة التعليقات على صفحات عربية منتشرة حول قضايا تعتبر خلافية، سيوصل غالبًا إلى النتيجة عينها، وهو ما قد يوحي بأن مجمل مستخدمي السوشيل ميديا، هم/هنَّ من المتعصبين والمتطرفين والميالين إلى الآراء العنيفة غير القابلة للآخر. وقد يحصل أن يستنتج المرء -مصيبًا كان أم مخطئًا- أن هذه العيِّنة على السوشيل ميديا، تعكس -على سبيل المثال لا الحصر- الرأي الحقيقي للشارع في بلداننا العربية. فهذه الآراء لم تأت من فراغ، وهي تعكس آراء الناس في الواقع.

يَسهل الاختباء وراء شاشة الكومبيوتر أو الهاتف الذكي، إضافة إلى الحسابات المزوَّرة التي لا تحمل هوية صاحبها الحقيقية. فأحيانًا، الآراء التي يعبِّر عنها بعضهم بنحو غير مباشر، قد لا يَجرُؤ على التعبير عنها على أرض الواقع، إمَّا خوفًا، أو خجلًا، أو لاعتقاده أنه لا مساحة واقعية له للتعبير عن رأيه. هذه العينة من أصحاب الآراء موجودة دون شك، وربما لا يبدو أنها محدودة، ولكن يبدو أن طغيانها على ساحات السوشيل ميديا، قد لا يعكس بالضرورة أنها الأكثرية، أو شبه الوحيدة على أرض الواقع والحياة الفعلية.

كثيرًا ما يعلو صوت الباطل أو الخطأ، ويتباهى الجاهل واثقًا بيقينه، في حين يتشكك العاقل أو العالِم في معارفه وآرائه. يَذكر كثيرون مع بداية انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، بل حتى قبل ذلك في زمن كتابة التعليقات على المقالات المنشورة في المواقع الإلكترونية، كيف كانت النقاشات والتعبيرات عن الآراء أكثر توازنًا وأشد تنوعًا. لم تكن الأصوات المتطرفة غائبة، لكنَّ أصواتًا أكثر عقلانية كانت حاضرة أمامها، تناقش وتُحاور، وتَعرض رأيها وتُحاجج. بحسب هذه النظرية أو الانطباع الذي يحتاج إلى دراسات لإثباته، أو ربما لنفيه، يبدو أن الأصوات العقلانية قد انكفأت بمرور الزمن شيئًا فشيئًا، تاركة المجال الأكبر للأصوات المتطرفة.

أسباب هذا الاختلال السابق المفترض بين كفتي الآراء والمشاركات، يمكن ربطها بأسباب متعلقة بتغير معايير القدرة على الوصول إلى الإنترنت، عبْر توسُّع خدمتها في بلادنا وتحررها من قبضة أجهزة الكومبيوتر، إلى فضاء الهواتف التي باتت في أيادي أغلبية الناس. فقد يكون الوصول إلى الإنترنت قبلًا محصور بـ"نُخَب" ما، وأيضًا -مرة أخرى- بانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وبفقدان الوصول إلى الإنترنت والمشاركة في نقاشاها بهجته الأولى شأنها شأن كل جديد، وربما أيضًا بِبعض اليأس من القدرة على تغيير شيء وسط هذا الخضم الواسع من الآراء والآراء المضادة "المتحاربة" من خلف الشاشات.

قد يكون صحيحًا أن السوشيل ميديا تعكس جزءًا من واقع المجتمع الحقيقي، لكن القول بأن الأصوات العليا أو أكثرها انتشارًا هي الآراء الوحيدة أو الغالبة، أنما هو استنتاج خطير، وغير دقيق، يبعث على يأس لا أساس دقيق له.

لا يلغي كل ذلك أهمية الإنترنت بصفتها وسيلة معرفية وأداة للتواصل، بالاستعانة بوسائل التواصل الاجتماعي، خاصة في كوكب بات عالَمًا يَصغر يومًا بعد يوم، ولا ينفي ذلك وجود شريحة تتسع أو تتقلص نتيجة الآراء المتطرفة أو الأصوات التي تُعبر عن آراء تبدو جاهلة. إلا أن الاستناد إلى هذا الواقع الجزئي لحالة ما يرد في وسائل التواصل الاجتماعي، يجب ألَّا يُفضي إلى تعميم سلبي بحق المعبِّرين/ات عن رأيهم في هذه الوسائل، ومن خلفهم شعوب بلداننا أو غيرها. ثم إن طغيان نوعية معيَّنة من الآراء فيها، لا يعني اليأس من حالتنا، أو التسليم بأنها الآراء الوحيدة الموجودة، أو حتى اعتبارها الأغلبية السائدة.

جميع الحقوق محفوظة © 2022
تصميم وتطوير Born Interactive