الرجوع

التغيير هو الثابت الوحيد

الإثنين

م ٢٠٢٢/٠١/٣١ |

هـ ١٤٤٣/٠٦/٢٨

لقد أهدتنا التكنولوجيا وسيلة جديدة إلى قياس درجة التغيير التي يمر بها الإنسان، بعملية بسيطة نستطيع فيها أن نحصل على أرشيف كامل لتغريداتنا على تويتر مثلًا، ثم نجلس ونشاهد عملية التحول، التي مرت بها قناعاتنا وأفكارنا خلال فترة طويلة من الزمن. بالنسبة إليَّ، امتدت هذه الفترة نحو عشر سنوات، وهي سنوات وُجودي في هذا العالم الافتراضي. 

لم أكتفِ بهذا الجرد التاريخي لأفكاري، بل قررتُ أن أعيد قراءة كتب قديمة أعجبتني، وكَتبتُ عنها آنذاك؛ فإذا بي أرى بعد قراءتها مرة ثانية أنني أصبحتُ اليوم إنسانًا آخر تمامًا، بل إنني استغربتُ من إعجابي القديم بكتب أرى أفكارها اليوم رجعية وغير عادلة، ولا تتماشى مع قواعد حقوق الإنسان التي درستُها وتشبَّعتُ بها.

قبل عشر سنوات كانت منابع أفكاري غريبة عني، ولم تكن عندي أفكاري الخاصة. كنتُ أتأثر بما تربَّيتُ عليه من مُسَلَّمات، وبما سمعتُه في الإعلام الموجَّه، وبما تَناقلَه الناس في محيطي. أمَّا فكرة أن أفكِّر وحدي بمعزل عن كل الظروف المحيطة بي، فكانت فكرة مخيفة، وكان عليَّ أن أتبنَّى الأفكار وإن لم أقتنع بها. وأما المشي عكس التيار فكان أمرًا بعيد المنال ومُرعبًا في آن معًا، أتحاشى أصلًا التفكير فيه. 

قد يَحصل التغييرُ للإنسان تدريجيًّا مع تجارب الحياة المختلفة، وقد يكون نِتاجَ لحظةٍ فارقة يمر بها الكثير من الناس في مرحلة النضج، التي يختلف توقيتها من إنسان إلى آخر. إنَّ ما قبْلها ليس كما بعدها إطلاقًا. فيها نُعيد حساباتنا. ثم إننا نَشعر بتجويف في داخلنا لا ينفع معه التلقين أو حشو المعلومات، بل هي أسئلة تتعارك في رؤوسنا، ولا نجد لها إجابات مقْنِعة في كل الكتب التلقينيَّة، ولا في المُسَلَّمات التي كبرنا على حفظها. هذه المرحلة مررتُ بها قبل عشر سنوات، فغرقتُ في الكتب أبحث عن إجابات، لكنني هذه المرة لم أجعل القيادة للكاتب، بل لي أنا. أردتُ أن أسمع كل الآراء، دون أنْ أتبنَّى رأيًا لا أملكه أنا بنفسي، ولا يقودني إليه عقلي وقلبي. 

في سن النضج، تجربتك وحْدَها كتاب يستحق التأمل والتفكر، وما الكتب (أو التجارب) الأخرى إلا عناصر داعمة لأفكارك في حال توصَّلْتَ إليها في رحلة الحياة، بكل ما فيها من ألم وحزن وخوف واطمئنان وسفر وعلاقات. عندها لن تَقبل فكرةً لا تُقنِع عقلك، أو لا تريح قلبك، أو لا تروي روحك العطشى. وأُولَى هذه القضايا وأهمُّها، ما يتعلق بالحالة الروحية الخاصة للفرد، وعلاقته بالله والدين.

المؤلم في رحلة التغيير هذه، أنها رحلة فردية يمر فيها الإنسان وحده، ولا يستطيع أن يُحضِر فيها أحبابه معه ليُشاركوه. فيَشعر بعدها أنه بعيد عنهم، لكنه يتفهَّمهم، لأنه كان في مكانهم سابقًا. أما الطامة الكبرى فتَكمن في الناس والمحيطين به الذين سيجدونه غريبًا عنهم، وقد تَطُولُه الاتهامات بالخروج عن السرب ومحاربة السائد، وقد يَدفع ثمن هذا الرفض من حياته وسكينته. والغريب أن أكثر الناس عَداءً له قد يمر بعد سنوات بنفس الرحلة، ويَخرج هو نفسه بأفكار تخالف السائد، وقد يندم على عَدائه للآخرين، لكن عندما يكون وقت الندم قد فات. 

لضمان عبور الإنسان مراحل حياته الفكرية المختلفة، يجب على الجميع تبنِّي حرية الفكر باعتبارها حقًّا من حقوق الأفراد. لا أحد يستحق أن يعاقَب لأنه تبنَّى أفكارًا مختلفة، أو لأنه تخلَّى عن أفكار سائدة. ولا خوف من الأفكار إلا إنْ كانت تَحمل كراهيَةً للآخر، أو تُحرِّض عليها. فالخوف هنا ليس على الفكرة نفسها، بل على الإنسان الذي يجب أن يكون هو المَعنيَّ الأول بالحرية. إنَّ حقوق الإنسان هدفها حماية الإنسان، لا الأفكار والمعتقدات. 

ومن المؤسف أن نكون في القرن العشرين وما زلنا نخاف من التعبير، ونكتب ونمحي ونحاول أن نوصل الفكرة بطريقة غير مباشرة. من المؤسف أن تكون الفكرةُ اليوم تُهْمةَ تَعرُّضِ الإنسان لحملات تشويه وقذف، يشارك فيها أناس سيمرُّون هم أنفسُهم أو أبناؤهم وأحبتهم بمراحل فكرية تشبهها في المستقبل. قلتُ: "سيمرُّون"، لأن الإنسان لا يبقى كما هو، ومتغيرات الحياة ستدفعه إلى التحول لا محالة، بل إن الثابت الوحيد في الحياة هو التغيير. 

جميع الحقوق محفوظة © 2022
تصميم وتطوير Born Interactive