يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين التنقل في الموقع وتحليل استخدام الموقع والمساعدة في جهود التسويق. تحقق من سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا للحصول على التفاصيل.
"فاتن زكي" طفلة لم تُكمل عامها الرابع عشر، من قرية "كفر يعقوب" بمحافظة الغربية. زُوِّجت فاتن وهي قاصر، وفي عام 2024 قُتلت على يد زوجها، لِمُجرَّد أنها أكلت من طبق "المعكرونة" قبل عودته إلى المنزل. فبدأ بالاعتداء عليها بالضرب المبرح على رأسها مستخدمًا عصًا، ثم ألقاها من الشرفة. نُقلت فاتن إلى المستشفى، لكنها فارقت الحياة متأثرة بإصابتها.
فاتن ليست حالة فردية. ففي نوفمبر 2024، قُتلت امرأة حامل على يد زوجها بـ40 طعنة خلال مشاجرة؛ ما أدى أيضًا إلى قتل جنينها الذي تلقَّى 11 طعنة داخل الرحم. وفي ديسمبر من العام نفسه، تعرّضت "مرام أسامة" لتعذيب وحشي على يد زوجها، الذي خنقها وتسبَّب في قطع بلعومها، ثم تركها 5 أيام في المنزل دون أي مساعدة، قبل أن تُنقل إلى المستشفى حيث توفيت.
ومع اختلاف التفاصيل، فإنَّ القاسم المشترك بين القضايا الثلاث هو التحوّل في توصيف الجريمة إلى "ضرب أفضى إلى موت"، وكأنَّ العنف المفرط، والإلقاء من الشرفة، والتعذيب المؤدي إلى قطع البلعوم، ووجود 40 طعنة في جسد امرأة حامل، اعتداءاتٌ غيرُ كافية لإثبات نية القتل.
هذا التحول يفتح الباب لأحكام مخففة بشكل كبير، لأنه يفترض غياب القصد الجنائي، رغم وحشية الوقائع. وبسبب هذا التحول في توصيف الجريمة، حصل قاتل فاتن زكي على حكم بالسجن سبع سنوات فقط، بعد تخفيف حكم الإعدام الصادر أولًا. أما الزوج الذي قتل زوجته الحامل بـ 40 طعنة، فقد صدر بحقِّه حكمٌ بالسجن خمس سنوات فقط. وفي قضية مرام أسامة حُكم على زوجها بالسجن سبع سنوات مشددة، مع فَدْح الجريمة.
في القانون المصري، توجد عدة مواد تسمح لمرتكبي جرائم قتل النساء بالإفلات من عقوبتَي الإعدام والسجن المؤبد، عبر فتح الباب أمام تخفيف الأحكام، أو تحويل الجريمة من قتل عمد إلى ضرب أفضى إلى موت. أبرزُ هذه المواد، المادة 60 من قانون العقوبات المصري، التي تستثني من العقاب كلَّ فِعْلٍ "ارتُكب بِنيَّة سليمة عملًا بحقٍّ مقرَّر بمقتضى الشريعة". وقد فسّرت المحاكم المصرية هذا النص على اعتبار أنه يشمل ما يسمى بـ"تأديب الزوجة"، وهو ما أتاح في سياقات عديدة إمكانية تبرير العنف الأسري أو التخفيف من آثاره القانونية. أيضًا تأتي المادة 17 من قانون العقوبات، التي تمنح القاضي سلطة تقديرية واسعة في تخفيف العقوبة، وهي المادة التي يُعاد من خلالها توصيف جرائم عنف شديدة ضد النساء إلى "ضرب أفضى إلى موت"، كما حدث في القضايا التي جرَت الإشارة إليها سابقًا، رغم وجود مؤشرات واضحة تدلُّ على قصد القتل أو استخدام عنف مُميت.
يُضاف إلى ذلك: المادةُ 237، التي تُخفف عقوبة الزوج الذي يفاجئ زوجته "متلبِّسة بالزنا"، فيقتلها هي ومن يزني بها في الحال، حيث يتحول عقاب جريمة القتل العمد إلى مجرد حبس، في إطار افتراض أنه نتيجة "تأثير الصدمة والغضب العارم". يرسِّخ هذا النص فكرة أن غضب الزوج يمكن أن يكون مُبرِّرًا للعنف المميت، وأن مشاعره تُعامَل باعتبارها ظرفًا مخفِّفًا.
هذه المنظومة من المواد القانونية لا تعمل مِن فراغ؛ بل تُكرّس رؤية ذكورية تضع الرجل الجاني في مركز الاعتبار القانوني، في حين تُهمّش المرأة الضحية. فبدلًا من أن يكون القانون حاميًا للنساء من العنف، يصبح في بعض الأحيان أداة تمنح الجُناة فُرَصًا إضافية للإفلات من العقاب، وتتعامل مع القتل بصفته فعلًا يمكن "تفَهُّمه" أو التماس الرأفة فيه، بسبب مفاهيم مثل: الشريعة أو الغيرة أو النخوة. فيتحوّل القانون نفسه إلى جزء من المشكلة، بدلًا من أن يكون وسيلة إلى الردع أو حماية الحق في الحياة.
في النهاية، تُظهر هذه الموادُّ القانونية كيف يُعيد القانون إنتاج الثقافة الأبوية ذاتها، مع أنه يُفترَض فيه أن يحدّ من آثارها. فهو لا يكتفي بتبرير العنف أو التماس الأعذار للجُناة، بل أيضًا يُرسّخ فكرة امتلاك الرجال لأجساد النساء وحياتهن، بِوَصف الرجال أصحاب الحق في التأديب أو العقاب أو "استعادة الشرف". ومع استمرار هذا المنطق داخل المنظومة القانونية، تتحول جرائم قتل النساء، من أفعال فردية إلى ظاهرة اجتماعية تجد مَن يدعمها ويحميها.
إن الإبقاء على مِثل هذه النصوص دون مراجعة أو إصلاح، لا يعني مَظْلمة قانونية فقط، بل أيضًا يَخلق بيئة تُشجّع على تكرار العنف والقتل، ويبعث برسالة واضحة تعني أن حياة النساء أقلُّ قيمة، وأنَّ قتلهن يمكن دائمًا إيجادُ مبرر له أو تخفيفُه. إنَّ إصلاح هذه المواد ليس مجرد مطلبٍ حقوقي نِسْوِيّ، بل أيضًا هو ضرورة لحماية الحق الأساسي في الحياة، والعدالة، والكرامة الإنسانية.
مقالات الرأي المنشورة في تعددية تعبر عن رأي الكاتب/ة، ولا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة.
إعادة نشر أي مقال مشروطة بذكر مصدره "تعددية"، وإيراد رابط المقال.