الرجوع

جسد المرأة ليس للبيع

الإثنين

م ٢٠٢٢/١١/٢١ |

هـ ١٤٤٤/٠٤/٢٧

افتُتح مهرجان قرطاج السينمائي هذا العام بفيلم مغربي، يتناول سيرة واحدة من أهم المناضلات النسويات. الفيلم الذي يحمل عنوان "فاطمة السلطانة التي لا تنسى"، يسلط الضوء على حياة الكاتبة والمفكرة النسوية المغربية فاطمة المرنيسي، ويتكلم عن واقع النضال النسوي المعاصر في العالم العربي. الفيلم أتى في وقت مهم تمر به الحركة النسوية في العالم العربي، حيث الانتشار الأوسع، والصوت الأعلى، وإن كانت تتسم برأيي ببعض الفوضى النابعة من أفكار مغلوطة يجب تصحيحها.

تجد بعض الكاتبات النسويات أنفسهن في مرمى الهجوم، عندما تَنتقد وترفض تسليع الجسد واستخدامه للتكسب. تعتقد بعض النسويات أن ذلك حرية شخصية تتماشى مع مبادئ النسوية، في حين أن نسويات أخريات يرينه انتصارًا وانتقامًا ذكوريًّا صِرفًا، وأداةً خبيثةً للسيطرة على المرأة. إنّ أسطورة "الجمال" أصبحت السجن الجديد الذي سَجنت المرأة نفسها فيه، وهي التي لم تتحرر بعد من سجن العادات والتقاليد وظلم القوانين. معايير الجمال أصبحت حربًا على القيم النسوية، التي تسعى لتحرير المرأة من كل قيودها، وهي المقاوَمة الذكية التي تتبعها الأنظمة الذكورية لإبقاء سلطتها على المرأة وعلى جسدها، مع إيهامها بأن الدافع شخصي ونفسي، لتشعر المرأة بجمالها وأنوثتها.

لقد كانت فاطمة المرنيسي من أوائل من تحدث بتسليع المرأة، الذي بدأه الرجل الغربي ردَّ فِعلٍ على المكتسبات التي حققتها المرأة الغربية في مجال الحريات. فعندما فقد الرجل الغربي الأمل بالحصول على "الحريم"، ابتدع طريقة جديدة، ووضع معايير جمال صدّر لها عارضات الأزياء وفتيات الإعلانات، واخترع "الحريم الذهني"، بحسب ما تؤكد ذلك المرنيسي في كتابها "هل أنتم محصنون ضد الحريم؟"، حتى أصبحت الأنوثة مرادفًا للهشاشة والضعف، والقلق الدائم على الشكل والمظهر.

اليوم، نحن نواجه موجة بشعة تحاول السيطرة على عقول النساء، وإقناعهن بمعايير شكلية وجسدية معينة. انتشرت عمليات تجميل للشد والنفخ وإرجاع الشباب، يقودها أطباء من خلال منافسة شرسة، أدواتها فنانات وعارضات أزياء ومؤثرات، فأصبحت الشغل الشاغل لعدد كبير من النساء. يتسم بعض هذه العمليات بالخطورة، خصوصًا عندما تتخذ المرأة من هذا الوجه أو الجسد أداة للتكسب وجمع المال، دون أن يكون هذا الجمال مرتبطًا بموهبة دائمة أو عمل له هدف حقيقي، متناسية أن هذا الشباب -وإن حاولت عمليات التجميل إدامته- هو إلى نهاية. فكرة أن تأخذ المرأة قيمتها من شكلها، فكرة شديدة السوء، وأثرها في المرأة التي تتقدم في العمر مدمر، لأنها استُثمرت في أشياء زائلة. فيكون شعورها باختفاء الأضواء ونقص إعجاب الناس بها ضربة قاضية، قد تدخلها في وحل الاكتئاب، أو قد تقودها إلى الانتحار، كما حصل مع بعض ممن اعتُبرن أيقونات للجمال في العالم.

قيمة المرأة الحقيقية مستمدة من مجرد وجودها أولًا وقبل كل شيء، وهي قادرة على إثبات نفسها من خلال عقلها وإنجازاتها. وإن كان السعي للظهور بشكل جميل موجودًا عند النساء بدرجات متفاوتة، فيجب ألا يسيطر على المرأة ليصبح شغلها الشاغل. الإغراءات التي تتعرض لها النساء كثيرة للتماشي مع سيل معايير الجمال، ويبدو أحيانًا أن مقاومتها متعبة وشاقة. لكن، إذا ما تمعَّنَّا في النماذج المحيطة بنا، فإننا نلاحظ أن الأمر يصبح أشبه بالمرض، وأن عدم الرضا عن الشكل يأخذ منحى الإدمان، وأن النهاية -برأيي- تشويه للوجه، لا إصلاح وتجميل، خصوصًا وأن الكثير من الأطباء يتجاهلون تحذير النساء من آثار طويلة الأمد قد تتسبب فيها تلك العمليات. 

يؤسفني دفاع بعض النسويات عن تكسُّب المرأة من جسدها، ويؤسفني أكثر أن يشاع فكرة أن النسوية تدعم هذا التوجه، علمًا أن الحركات النسوية في الواقع حاربت تسليع الجسد بكل ما أوتيت من عزم. إن استخدام جسد المرأة في الإعلانات واستعراض جماله للحصول على المال والشهرة، كان أمرًا مرفوضًا من قِبل حركات تحرير المرأة، بل إن مظاهرات نسوية خرجت في أميركا سنة 1968 مطالبة بإلغاء مسابقات الجمال، واعتبارها تسليعًا، وفرْضَ معايير شكلية زائفة تقيَّم المرأة على أساسها. ونتيجة هذه المظاهرات، برزت محاولة لإرضاء الحركات النسوية، بإدخال بنود جديدة للتنافس في مسابقات الجمال، منها الشخصية والكاريزما، فجرى إضافة فقرات تُسأل فيها المتسابقات أسئلة عامة تؤثر في نتائج المسابقة. 

أُدرك أن موجة تسليع الجسد لن تدوم؛ إذ تراجع تأثيرها في الدول التي بدأت فيها، لكني آسف على أحوال فتيات سقطن في هذا الفخ، وأتمنى أن تأخذ الفتيات الصغيرات -حتى الكبيرات- العبرة من تجارب النساء، اللاتي سلكن هذا الطريق ووصلن إلى نهاية مسدودة ومهينة. والأهم هو التصدي لمن يحاول زج النسوية في التسليع، لأن تأثيره السلبي سيطُول مكتسبات الحركة النسوية التي تعيش أوج انتشارها في هذه الفترة، وتضغط باتجاه تحرر المرأة من القيود الظالمة على مستوى التشريعات والقوانين والعادات.

مقالات الرأي المنشورة في تعددية تعبر عن رأي الكاتب/ة، ولا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة.

إعادة نشر أي مقال مشروطة بذكر مصدره "تعددية"، وإيراد رابط المقال.

الكلمات الدليلية

جميع الحقوق محفوظة © 2022
تصميم وتطوير Born Interactive