يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين التنقل في الموقع وتحليل استخدام الموقع والمساعدة في جهود التسويق. تحقق من سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا للحصول على التفاصيل.
"من الجيد أنكم أتيتم. كنا نشعر بأننا منسيُّون تمامًا" كلمات توجهت بها زميلة إلى البابا لاون الرابع عشر، في ختام الصلاة بين الأديان يوم الاثنين 1 كانون الأول/ديسمبر، في ساحة الشهداء وسط بيروت. تلك الساحة التي عاشت لحظة نشوة عام 2019، حين نهض معظم الشعب اللبناني ضد فساد الطبقة السياسية، وذلك قبل أن تتبدّد أحلامه. فمنذ ذلك الحين، عاش لبنان صدمة تلو الأخرى: انفجار المرفأ، وجائحة كوفيد 19، وانهيار الاقتصاد والبنْيَة التحتية للبلاد، ثم الحرب التي امتدت على كامل أراضيه. ومنذ وقْفِ إطلاق النار، أكثرُ من عشرة آلاف خرْقٍ ارتكبها العدوُّ الإسرائيلي.
إلى بلدٍ مثقل بالصدمات، توجَّه لاون الرابع عشر في أول زيارة دولية له. بلدٌ بات الناس فيه عاجزين حتى عن الإحساس، لا إيجابًا ولا سلبًا، إلى حدّ أن الحياة والموت كادا يفقدان معناهُما. لكن، يومًا بعد يوم، ومع اقتراب موعد الزيارة، بدأ يتسلّل إلى هذا الشعب شيء من الاهتمام بهذا البابا غير المعروف، ثم تلاه شيء من الأمل، في أن تحمل الزيارة بلسمًا لجراحه، ونزرًا من الشفاء والعدالة، من بابا يربط دومًا -مثل سلفه- بين السلام والعدالة.
لم يَخِب ظنُّنا. جاء ليقول لنا: إن هناك من يرانا، في وقت كنا فيه منسيِّين من السياسيين ووسائل الإعلام الدولية. جاء ليرى المتألمين: أهالي ضحايا انفجار المرفأ، والأشخاص الذين يعانون أمراضًا نفسية في مستشفى دير الصليب، والأشخاص ذوي الإعاقة. ثم استمع إلى لورين (العاملة المهاجرة من الفيليبين)، التي ندّدت بظلم نظام الكفالة اللبناني تجاه العمال والعاملات المهاجرين، وخاصة "أسيل"، التي نجت من استهداف إسرائيلي قتَل إخوتها وأباها.
أيضًا جاء ليذكّرنا بأن لدينا رسالة نَحملها إلى العالم، وبأنَّ في تنوّعنا الديني وتجربتنا في العيش والحوار بين الأديان غِنًى حقيقيًّا، مذكّرًا بأن: "هذا الحوار، المستوحَى من المحبة الإلهية، يجب أن يشمل جميع ذوي الإرادات الحسنة، وأن يرفض الأحكام المسبقة والتمييز والاضطهاد، وأن يؤكّد الكرامة المتساوية لكل إنسان".
أيضًا ذكَّرَنا بالغنى الروحي لبلدنا، مع جميع القديسين والقديسات، الذين نبتوا من هذه الأرض، وذلك من خلال زيارته لِمزار القديس شربل.
لقد اعترف بآلامنا، وبالتحديات الاقتصادية والسياسية والأمنية التي نواجهها، لكنه طلب من شبابنا أن يبقَوا في البلد، وأن يستمروا في الإيمان به.
خلال ثلاثة أيام، رأيتُ شعبي الجريح يتحوّل تدريجيًّا. رأيتُ المسلمين والمسيحيين يصلّون معًا، ليس خلال اللقاء الجامع للطوائف والأديان فقط، بل أيضًا خلال لقاء الشباب، وفي القداس الذي جمع مئةً وخمسين ألف شخص.
لم يزرع البابا لاون الرابع عشر شجرة زيتون في وسط المدينة فحسب، بل زرع حضورُه بذورَ الرجاء في قلوب كثيرة.
وفي ختام الرحلة، بعد أن استمعتُ إلى كلمته في المطار، أجْرُؤ على القول: إن البابا لم يغيّر اللبنانيين واللبنانيات بحضوره فحسب، بل خرج هو نفسه متحوّلًا من هذه الزيارة. فكأنَّ اللقاء كان مزدوجًا: شعبٌ متألّم ينتظر المطر -وقد هطل بغزارة فعلًا عند وصوله-، وبابا يشعر كيف أن هذه الأرض وأرواحنا العطشى قد دبّت فيها الحياة من جديد عند حضوره، إذ قال في الختام: "مغادرة هذه الأرض تعني أن أحْمِلكم في قلبي".
بين المطر، وزرع شجرة الزيتون، والتذكير بالأرز في الكتاب المقدّس - تكاملَت الرمزية. وهذا ما دفعه إلى أن يقول قبل رحيله: "أنتم أقوياءُ كالأرز، أشجارِ جبالكم الجميلة، ومثمرون كالزيتون الذي ينمو في السهل، في الجنوب وقرب البحر".
ثم ختم صدى صرختنا العميقة قائلًا: "أضُمّكم جميعًا، وأتمنى لكم السلام. وأيضًا أُوجِّهُ نداءً صادقًا: لتتوقف الهجمات والأعمال العدائية".
مقالات الرأي المنشورة في تعددية تعبر عن رأي الكاتب/ة، ولا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة.
إعادة نشر أي مقال مشروطة بذكر مصدره "تعددية"، وإيراد رابط المقال.