الرجوع

عن مواقفنا من الإجهاض

الإثنين

م ٢٠٢٢/٠٨/٠٨ |

هـ ١٤٤٤/٠١/١١

قررت المحكمة العليا الأميركية إلغاء الحق الدستوري للمرأة في الإجهاض المسموح به منذ حوالي خمسين عامًا. وفَور صدور القرار تعالت الأصوات المرحِّبة به من جهة، والمعارضة له والمنددة به من جهة أخرى. فاعتبر كثير من الأميركيين والأميركيات ذلك اليوم حزينًا، وأوضحوا أن القرار يشكل ضربة موجعة للحقوق الإنسانية للنساء، لكن قوًى أخرى احتفلت بالقرار واعتبرته انتصارًا لقيم الأديان، التي تعارض قتل الروح التي وهبها الله الحياة في الرحم.

ما يهمني هو التفاعل الذي حصل في عالمنا العربي بعد أن انتشرت الأخبار. ففي الوقت الذي تُجرِّم فيه معظم الدول العربية الإجهاض، احتفل كثيرون بهذا القرار الأميركي وكأنهم معنيُّون/ات بالأمر، بل إن بعضهم فرح به معتبِرًا أنّ ما حصل هو نكسة للحركة النِّسوية، التي يجدون فيها تهديدًا لمكتسَبات ذكورية متوارثة؛ إذ رأوا في قرار المحكمة العليا متنفَّسًا لنقد أسس الحركة النسوية وتَمنِّي زوالها.

هنا يجب أن أوضح أنه لا يوجد لدى الحركة النسوية كتاب مقدس يحمل توجهات الحركة وأفكارها، ومن النادر أن ترى تطابقًا تامًّا في الأفكار بين كل النساء اللواتي يطالبن بحقوق المرأة، فمنهن من يؤمنَّ بالأديان ويحترمْنَها، ويرفضن أن يجري تهميش الدين أو التقليل من شأنه، لكن غالبهن يتفقن على أساسيات حقوق المرأة وأنْسَنة الأديان بما يتفق ومبادئ حقوق الإنسان، لتتحقق العدالة والمساواة بين أفراد المجتمع دون تمييز.

لن أعرض رأيي الشخصي في قضية شائكة كالإجهاض، لكني سأعلق على النقاشات التي تابعتُها على تويتر، والتي رأيت أن من الضروري توضيح بعض نقاطها، خصوصًا ما يتعلق بإجهاض الحمل الذي يأتي نتيجة حمل غير مرغوب به ناتج عن علاقات غير مشروعة دينيًّا، لأن أغلب النقاش كان يدور حوله. هذا النوع من الإجهاض لم ولن يتوقف بقرار من المحكمة العليا؛ أما "الإجهاض الآمن" فهو الذي توقَّف، والبديل سيكون تعريض حياة المرأة للخطر بسبب إمكانية استخدامها وسائل غير صحية وغير آمنة.

قد يقول بعضهم: إن قرار منع الإجهاض يدفع ثمنه المخطئون/ات. ومع أن الجملة غير صحيحة، فإني أتساءل: "هل تنتهي "الخطيئة" بهذا القرار؟". في الواقع، بدأت الخطيئة مع ظهور الإنسان، ولن تختفي إلا بفنائه، وما يحصل هو تحميل الفقراء وحدهم ثمن الخطيئة. أما المَعنيَّة بهذا القرار فهي المرأة الفقيرة فقط، وأما الثرية فتستطيع -كما كانت في القرن الماضي- السفر إلى بلاد تسمح بالإجهاض الآمن بكل سهولة، في حين تبقى للفقيرة خياراتها المحدودة التي قد تكلفها حياتها، وتُحدِّد مصيرها باللجوء إلى الطرق البدائية، أو إلى المزاولين للطب دون رخصة قانونية.

يعجبني الحديث في احترام قدسية الروح الإنسانية في العالم العربي، وأجد في هذا الحوار منطقًا يحترم -بل ويتماشى مع- مبادئ حقوق الإنسان، إلا أنني في نفس الوقت لا أرى احترامًا لقدسية هذه الروح عندما يأتي هذا الطفل إلى الحياة؛ ما يجعلني أميل إلى كون هذا النوع من الحوار يندرج تحت باب الكيل بمكيالين. فالطفل الذي يولد من علاقة غير شرعية لا يحظى بمعاملة إنسانية، على الرغم من كل هذا التمسك بمنع إجهاضه، بل إنه قد لا يملك أوراقًا ثبوتية في بلدان شتى، أو قد يحصل على أوراق تُميزه عن غيره، ثم لا يستطيع أن يمارس حياته بشكل طبيعي. فلا دُور الرعاية مؤهَّلة، ولا المجتمع مرحِّب بهذا الطفل، وكأن الهدف من الإتيان به تعذيبه. وكم كنتُ أتمنى لو أنَّ معارضي الإجهاض قدَّموا حلولًا إنسانية تحترم هذه الروح، التي أتت إلى الدنيا بلا ذنب. أمَّا أن نحارب للحفاظ على الجنين، ثم نحضره إلى الدنيا ونذيقه أصناف العذاب والتمييز، لخطأ لا ذنب له فيه، فأنا لا أرى في هذا أي عدالة أو احترام للروح الإنسانية.

أتمنى أن نتوقف في عالمنا العربي عن ادعاء المثالية ونحن بعيدون عنها، وأيضًا أتمنى أن نعطي حلولًا إنسانية فعالة لمشاكلنا. فإنْ كنا نرفض الإجهاض من باب حب الله الذي يهب مَن يشاء الروح، فلْنَسْعَ لتطوير منظومة حماية للطفل القادم إلى الحياة، ولْنَسْعَ لسنِّ قوانين تحترم إنسانيته ولا تميز بينه وبين الآخرين، سواءٌ فقيرًا كان أو يتيمًا أو ثمرة علاقة غير مشروعة دينيًّا، ولا نجعل حياته جهنَّمَ يتمنى الخروج منها بأي ثمن. أما أن نحارب لكي يأتي الطفل إلى هذه الدنيا، ثم نُحمِّله خطايا لم يرتكبها، فهذا هو الظلم الذي لا يرضى الله به، ولا أي إنسان عادل .

مقالات الرأي المنشورة في تعددية تعبر عن رأي الكاتب/ة، ولا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة.

إعادة نشر أي مقال مشروطة بذكر مصدره "تعددية"، وإيراد رابط المقال.

جميع الحقوق محفوظة © 2022
تصميم وتطوير Born Interactive