الرجوع

مدافع عن حقوق الطفل أم عدوٌ للدين؟! 

الأربعاء

م ٢٠٢٢/٠٩/١٤ |

هـ ١٤٤٤/٠٢/١٨

قضيتان شغَلَتا الشارع الأردني في الشهور السابقة، هما: البدء بتدريس مادة الفلسفة في المدارس، ومشروع قانون حقوق الطفل، وكلتا القضيتين أثارت ضجة داخل الأردن وخارجه، فانقسم الناس بين مؤيد ومعارض. الانقسام حادٌّ بين أولئك الحقوقيين وأنصار القانون الذين يعتبرون مشروع قانون الطفل ضروريًّا لتعزيز التنشئة الصالحة، وأن هدفه حماية الطفل وأسرته، والتزام الدولة حقوقه وحمايتها، وأولئك المعارضين الذين وجدوا في القانون تجاوُزًا على القيم والأعراف والشريعة الإسلامية.

إلا أن النقاشات الدائرة الآن لا تجري برأيي في أجواء من حرية الرأي والفكر، خصوصًا فيما يتعلق بقانون حقوق الطفل، فقد لا تكون الأجواء على أرض الواقع مشحونة كما هي في وسائل التواصل الاجتماعي، لكن، إن كنتَ مدافعًا عن المشروع في هذا العالم الافتراضي، فقد تجد نفسك في مرمى نيران الاتهام بالكفر ومعاداة الدين. والغريب أن أغلب من يتهمونك لم يقرؤوا القانون ولم يطَّلعوا عليه، واكتفوا بمشاهدة فيديوهات لدعاة جُدد، فتأثروا بخطبهم الحماسية التي تجعل الناس في خوف على أنفسهم وأُسَرهم ودينهم من المؤامرات الخارجية، التي تهدف -بحسب ما يقولون- إلى النيل من الأسرة وتدميرها.

من المؤسف أن نرى التاريخ يعيد نفسه، ومن المعيب أن ينخدع كثير من الناس بنفس الطرق والأساليب في كل مرة. فمع كل جيل جديد يعود الكثير من الشباب إلى المربع الأول، وبدلًا من أن يمسك الشباب زمام أمورهم ويعتمدوا على أنفسهم وقراءاتهم لتكوين آرائهم الخاصة، نجد أن بعضهم يكتفون بِدور الجمهور المتفرج، وينتقلون من فيديو إلى فيديو متأثرين/ات بالخطب الحماسية التي تجعل من المُعتقد بابًا للسيطرة على العقول، والتي هدفها برأيي سياسي بحت، لا علاقة له حقيقة لا بالدين ولا بالفكر. 

المتابع للشأن العربي يدرك تمامًا أن هناك فئة تعتمد في وجودها على وجود "العدوِّ". فإن لم تجده تخترع عدوًّا وهميًّا، وتبني الأساطير حوله، وتقنع الناس بالمؤامرات وتخيفهم. فيلتف الناس حولها خوفًا ورهبة، ويهرعون إلى انتخاب أو تأييد ممثِّلي تلك الفئة باعتبارهم حماةً للدين والعِرض والقيم المهدَّدة. وتعتمد هذه الفئة على أمر رئيسي في بقائها وتمدُّدها، وهو التعليم. 

التعليم التلقيني أثَّر تأثيرًا سلبيًّا في طبيعة الشاب العربي، وجعله مُهيَّأً لامتصاص المعلومات دون بحث أو تمحيص أو شك. هذا إضافة إلى قلة المواد التي تحث العقل على التفكير بعيدًا عن الإجابات الجاهزة. ولهذا، نجد أن معركة هذه الفئة الرئيسية تتمحور ضد كل من يحاول أن يغير في منظومة التعليم أو يطورها، حيث يَخرج الشيخ الداعية نفسه في فيديو كامل محذرًا من علم الفلسفة، التي سيبدأ تدريسها في المدارس الأردنية، معتبرًا أن الفلسفة عِلم فاسد، وأنه لو استُخدمت كتب الفلسفة وقودًا للتدفئة في الشتاء لكانت أنفع للناس، لأنه عِلم لا ينفع -بحسب قوله-، بل قد يذهب الشيخ إلى وصف أفكار ديكارت وفولتير وجان جاك روسو بـ"الخربطات".

لو اعتمد العالم على الأجوبة الجاهزة لَمَا تَقدم العلم خطوة. ثم إن غياب الفلسفة يُعدُّ حرمانًا للعقل أحدَ أهم مصادر القدرة على الفهم والتحليل. فلماذا يخاف الداعية من الفلسفة إن كانت مجرد خربطات؟ ولماذا لا يَترك الطالبَ يقرر ويتوقف عن الوصاية على عقله وتفكيره؟ سنوات من سجن العقول داخل المحددات صنَعت لنا إرهابًا وتطرفًا، في حين لا يُذكر أن فيلسوفًا قتل المختلفين معه أو حضَّ على قتلهم.

يطالب المناصرون للفكر الإقصائي بالمناظرات العلنية، وجعْل الحكم لعامة الناس، ويعتقد بعضهم أن الحقوقيين يخافون من تلك المناظرات ويتجنبونها. وفي الواقع، يستحيل أن تُناقش أحد الإقصائيِّين بالمنطق، لأنه سيرد عليك وكأنه مبعوث من السماء، وقد يتهمك بشكل مباشر بمعاداة الدين والقيم، لمجرد أنك تخالفه في الرأي. أتذكَّر جواب الدكتور غازي القصيبي عندما سئل عن تجنب الدخول في النقاشات، فقال: "أنا أؤمن بأن النقاش كثيرًا ما يتحول إلى جدل، والجدل يعتمد على براعة لفظية أو فكرية ليس لها علاقة بجوهر الموضوع. فإذا أتيت بإنسان بارع في الجدل وأعطيته أي قضية وإن كانت ضعيفة، فقد يستطيع عن طريق براعته الجدلية أن يحولها إلى قضية ناجحة، والجدل يفوز به الأكثر حدة في اللسان، والأبرع في استخدام الفكاهة، والأقدر على وضع خصمه في مصيدة لفظية أو جدلية".

أضيفُ إلى ما قاله القصيبي وأقول: إن كان محبُّو الجدل ممن يوهمون أتباعهم بأنهم يتحدثون باسم الله، فالنقاش ينتهي قبل أن يبدأ.

مقالات الرأي المنشورة في تعددية تعبر عن رأي الكاتب/ة، ولا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة.

إعادة نشر أي مقال مشروطة بذكر مصدره "تعددية"، وإيراد رابط المقال.

جميع الحقوق محفوظة © 2022
تصميم وتطوير Born Interactive