الرجوع

هل تخطف السويد أطفال العرب؟

الخميس

م ٢٠٢٢/٠٣/٠٣ |

هـ ١٤٤٣/٠٧/٣٠

انتشرت في المدة الأخيرة أخبار وفيديوهات قادمة من السويد، تتحدث بصراحة وتأكيد بخطف الأطفال المسلمين من ذويهم، من قبل ما يعرف بـ"السوسيال" أو الشؤون الاجتماعية. آباء وأمهات خرجوا إلى الشوارع للمطالبة باسترجاع فلذات أكبادهم، يبكون ويصرخون من ظلم القرارات التي حرمتهم أطفالهم بدون وجه حق -كما يدَّعون-. 

اللافت أننا في الفيديوهات كنا نسمع وجهة نظر واحدة، أو جانبًا واحدًا من القصة، وكان لا بد من رأي محايد على الأرض. لهذا، لجأتُ إلى سؤال من هم أقرب إلى الطرفين، أي العرب السويديين الذين هاجروا منذ زمن بعيد إلى السويد، وباتوا على اطلاع ودراية بالقوانين، وخصوصًا تلك المتعلقة بحماية الأطفال؛ والعرب اللاجئين والمهاجرين الجدد الذين هم غالبًا المعنيون بالأحداث الأخيرة .

لم أكتف بسماع رأي أو رأيين في هذا الشأن، ووجدت أن هناك شبه إجماع على وجود أخطاء تحصل من كل الأطراف. فالعائلات المهاجرة تفتقر إلى معرفة القوانين الصارمة الموضوعة في السويد منذ أكثر من ثلاثين عامًا، والتي لا تتهاون مع أي انتهاك لحقوق الأطفال، أو أي نوع من أنواع العنف. في هذه النقطة، يمكن لوم الجهات الحكومية المعنية التي يقع على عاتقها التوعية بأساليب التربية الحديثة، وإدماج المهاجرين الجدد في المجتمع، بطريقة لا تتعارض مع رغبة الأهالي في تعليم أبنائهم القيم الروحانية والدينية بلا أي إجبار أو تعنيف. ثم إنه يجب على الجهات المسؤولة مراعاة هروب الكثير من العوائل المهاجرة من الحروب والمآسي، حاملة معها التروما (حالة تحصل نتيجة كدمة نفسية) والفزع والقلق؛ ما يستدعي المزيد من جلسات العناية النفسية والتوعية.

لا شك أن الصورة النمطية عن استخدام العنف من قبل أهل الشرق، وتبريره من قِبل جهات دينية ومجتمعية، تؤثر بشكل غير مباشر في بعض موظفي الشؤون الاجتماعية، وتؤدي إلى إطلاق الأحكام المسبقة التي يمكن أن تكون ظالمة أحيانًا، يدفع ثمنها أبرياء. لكن، هذا لا يعني أبدًا تبرئة عوائل كثيرة تعتمد على العنف باعتباره -بالنسبة لها- أحد وسائل التربية. ونحن في الشرق نقرأ كل يوم عن حوادث تعنيف أسري، تجري على مرأى من الناس ومسمعهم، ولا يعاقَب عليها أحد، بل يخرج المعنِّف على التلفاز ويتكلم عن العادات والتقاليد التي تسمح له بسلطة التأديب. وفي هذه الحالة، تستطيع أن تتخيل معي شخصًا بهذه العقلية، كيف سيكون مصير عائلته إذا ما هاجرت إلى السويد! وهنا، يأتي دور تعاون الدولة مع الجاليات المختلفة على أراضيها، لنشر مبادئ حقوق الإنسان، وترسيخها في عقول القادمين من بيئات تتساهل مع العنف وتبرره. 

أما الجانب الغريب في القصة، فيظهر لي من خلال الإعلام العربي الشعبوي، الذي يؤذي الجاليات المسلمة ويحرضها ضد الدولة التي تسكن بها، باستخدام شعارات المؤامرة والخطف، وتصوير الأمر وكأنه مخطط معدٌّ سلفًا للاستيلاء على أطفال المسلمين وتغيير ديانتهم، في حين الواقع يقول: إن القرارات تسري على الجميع، وعلى المهاجرين/ات من كل الأديان، بل وعلى السويديين أبًا عن جد. وإن كان وقعها أكبر حاليًّا، فالسبب هو موجات الهجرة من الدول العربية والإسلامية، نتيجة الحروب في العقدين الأخيرين. 

ما يهمني فيما يجري في السويد هو الأطفال أنفسهم، ومصلحتهم هي الهدف الأول لأي تحرك "قانوني" قادم، قد يُقْدم عليه المتضررون. وقلتُ "قانوني"، لأنه لا تحرُّك آخر يستطيع إرجاع الأطفال إلى ذويهم، لا التحركات الشعبوية ولا نظرية المؤامرة الخاطئة. وحده الاتجاه القانوني مع التوعية هو الحل؛ إذ تؤكد الأخبار أنه لا ضمان للأطفال في العثور على عوائل بديلة أفضل من عوائلهم، ثم إن فصل الطفل عن ذويه بدون سبب قاهر، أو فصل الأخ عن إخوته، أو توزيع الأطفال على عوائل مختلفة، قد يسبب ألمًا لا يمحى مع الزمن، وخصوصًا إنْ لم يكن البديل مناسبًا.

أما نحن الذين في هذا الجانب من العالم، فتقع علينا مسؤولية نشر أفكار حقوق الإنسان على نطاق واسع، والتصدي للإعلام الشعبوي، الذي لا تهمُّه التوعية الحقيقية بقدر ما يهمه رفع عدد المشاهدات، والذي يجد في التحريض والأدلجة غاية، فيقدم وجهًا واحدًا للحقيقة، ويتغافل عن الوجه الآخر بدون أية مهنية. إنه إعلام-وبعضه ناطق باللغتين- يقدم للعرب ما يريدون سماعه، ويقدم للغرب ما يعجبهم، ضاربًا بالمصداقية عرض الحائط. 

وتبقى قضية العنف ضد المرأة والطفل ملفًّا في غاية الأهمية، يجب أن يوضع على طاولة النقاشات المجتمعية والتشريعية بلا تأخير، لما له من تأثيرات سلبية مستمرة تنتقل عبر الأجيال، وتساهم في استمرار دائرة القهر في المجتمعات الأبوية، التي تعتمد على تسلط القوي على الضعيف. إن العنف يجعل أي مشروع للتنمية والحرية والديمقراطية بعيد المنال، وهذا ما استوعبته الدول التي تجرم العنف الأسري بكل أشكاله، حيث وضعت له القوانين الصارمة، قبل أن تبني قواعد أنظمتها التي تقوم على الحرية.

جميع الحقوق محفوظة © 2022
تصميم وتطوير Born Interactive