الرجوع

الذَّاكرة النِّسويَّة واختراق السُّلطة

الثلاثاء

م ٢٠١٩/١٢/٠٣ |

هـ ١٤٤١/٠٤/٠٦

يؤكِّد لنا الكاتب "جورج أُوروِيل" في روايته الشَّهيرة سنة 1984: "أنَّ مَن يَملك الحاضر يَملك الماضي، وأنَّ مَن يَملك الماضي يتحكَّم في المستقبل". ويضيف قائلًا: إنَّ غاية النُّظم المستبدَّة هي الهَيمنة على الذَّاكرة الفرديَّة والجماعيَّة، وتعديل تجاربنا وخبراتنا السَّابقة، لكي تتوافق مع الإيديولوجيا الرَّسميَّة. لماذا؟ لأنَّ الذِّكرى تقُود إلى التَّفكير، ولأنَّ الماضي هو المعيار الَّذي يمكِّننا من تقييم الحاضر، ومِن نقْدِه ومُساءَلته.

الكلُّ يَعْلم أنَّ كتابة التَّاريخ كثيرًا ما كانت أداةً من أدوات الطَّبقات الحاكمة، الَّتي غالبًا ما تسعى إلى فرض سرديَّة أُحاديَّة لتعزيز سُلطتها ونفوذها وتدعيمهما. وفي هذا الإطار، لا يمْكن اليوم تطوير وضعيَّة المرأة في بُلداننا دون إعادة كتابة تاريخ النِّساء، وإنتاج معرفة بديلة تُجسِّد العمود الفقريّ لنضالات المرأة، وتَوقِها إلى العدالة والمساواة. وتحاول هذه المعرفة البديلة تَجاوُز النِّسيان والتَّعتيم، اللَّذَين نالَا من السَّرديَّات النِّسائيَّة في ذاكرتنا الجمعيَّة.

المتأمِّل للتَّاريخ الإسلاميِّ، يلاحِظ وُجود فراغ وتعتيمٍ مُمَنهَج، لأدوار النِّساء ومكانتهنَّ في المجتمع. لذا، فإعادة الاعتبار للذَّاكرة النِّسويَّة، تسعى إلى تمكين النساء من تقدير فاعليتهنَّ، وفهْمهنَّ لِلدَّور الَّذي قُمْن به عبْر الأجيال. ومِن النَّماذج النِّسويَّة الفاعلة والمؤثِّرة، نَذكر شخصيَّة "أرْوَى القَيروانيّة"، الَّتي تَصدَّت لمؤسَّسة الحريم ولعادة تَعدُّد الزَّوجات الذُّكوريَّة، وفَرضَت الزَّواج الأُحاديَّ منذ القرن التّاسع الميلاديّ. هي بنت منصور بن عبد الله الحِمْيَري، الَّتي خطبها أبو جعفر المنصور، حين الْتَجأ إلى القيروان هاربًا من ملاحقة الأمويِّين. فاشترط عليه والدُها ألَّا يتزوَّج غيرها، وأَلَّا يتَّخذ مَلَكات اليمين معها، وإلَّا فطلاقُها بِيَدها على عادة أهل القيروان. فوافَق الخليفة المنصور وكَتَب هذا الشَّرط في عقد الزَّواج، الَّذي كان يوصَف بـ"الصَّداق القَيروانيّ".

عندما استقرَّ الخليفة أبو جعفر المنصور في بغداد الَّتي سُمِّيت في بداية تأسيسها بمدينة المنصور، ورسَّخ الدَّولة العبَّاسيَّة الجديدة؛ أراد أن يتراجع عن الْتِزامه لزوجته أروى، وأن يتحلَّل من تَعهُّده. فكَتب إلى الفقهاء في الحجاز والعراق، يستفتيهم في شرعيَّة التَّعدُّد والتَّسرِّي. بَيْد أنَّ المَلِكة أروى تَصدَّت لهذه المحاولات، وأجبَرَت زوجَها على الْتِزام عهودِه لها. فحافظَت على حقوقها، وعلى أُحاديَّة زواجها من الخليفة حتى مماتِها.

لقد عزَّز "الصَّداقُ القَيروانيّ" مكانة المرأة في تونس، وساهَم في رفع الظُّلم والغَبْن عنها، وفي تغيير النَّظرة الدُّونيَّة لها، ومنحها هامشًا لتقرير مصيرها. وأيضًا كان له صدًى كبيرٌ في بُلدان المَغرب العربيِّ، وفي الأندلس. وساهم في بروز وثائق قانونيَّة جديدة للزَّواج، أقرَّها القُضاة والمَحاكم الشَّرعيَّة. فظَهر الصَّداقُ الموريتانيّ والصَّداق الأندلسي وغيرهما. وقد أكَّد ذلك الإمامُ الأكبر سحنون، الَّذي دوَّن فِقه المذهب المالكيِّ في كتابه المرجِعيّ "المُدوَّنة"، مُعتبِرًا أنَّ للمرأة الكلمة العليا في قِرانها، وأنّه لا زواج عليها إلَّا برضاها حتَّى وإن كانت عاقِرًا، وإلَّا فيُلغَى، والزَّواج يَبطل.

تَمدُّنا الوثائق التَّاريخيَّة المغمورة، والنُّصوص الفِقهيَّة المتعلِّقة بالنَّوازل والفتاوى، بمعلومات ومَدلولات غير مألوفة حول وضعيَّة المرأة، ومكانتها في أرض الإسلام. فقد تمكَّنَت المرأة من اختراق المنظومة الفقهيَّة، ومن إدماج مجموعة من الشُّروط الَّتي تَضمن حقوقها في عقد الزَّواج، حيث صار في إمكانها أن تشترط أن يكُون أمرُها بِيَدها، في حالة تَغيُّب الزَّوج مدَّة معيَّنة مذكورة في عقد الزَّواج، وهي أربعة أشهر مثلًا.

لقد طبَعَت هذه الممارسات النِّسويَّة الوَعْيَ الجمعيَّ في بلداننا؛ وهو ما ساهم ربَّما في بروز مَقولات وأفكار لِلمُصلح الزَّيتوني الطَّاهر الحدَّاد، الَّذي دعا إلى منع التَّعدُّد، وإلى سَنِّ المساواة في الإرث بين المرأة والرَّجل، منذ ثلاثينيَّات القرن الماضي. فتساعدنا هذه المادَّة العلميَّة المغمورة على تفكيك السَّرديَّات الرَّسميَّة، وعلى تنسيب الصُّورة النَّمطيَّة، والنَّظرة التَّبسيطيَّة عن المرأة المسلمة عبْر التَّاريخ.

مقالات الرأي المنشورة في تعددية تعبر عن رأي الكاتب/ة، ولا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة.

إعادة نشر أي مقال مشروطة بذكر مصدره "تعددية"، وإيراد رابط المقال.

جميع الحقوق محفوظة © 2024
تصميم وتطوير Born Interactive