الرجوع

بين كورونا والنظام الديكتاتوري

الأربعاء

م ٢٠٢٠/١٢/٠٩ |

هـ ١٤٤٢/٠٤/٢٤

منذ مطلع الربيع العربي عام 2011، تبلورت وحشية الأنظمة الديكتاتورية في البلدان التي شهدت ثورات شعبية. وحشية النظام من خلال رفض أي معارضة، أو مواجهتِها بالاعتقال والتعذيب والقتل، ليست بالأمر الخفي أو الجديد؛ إذ أصبح أمرًا يوميًّا ملتصقًا بالربيع العربي فقط.

لم تكن الشعوب ثائرة بكاملها بطبيعة الحال، إذ كان هناك موقف لفئة كبيرة، يتمثل بعدم المبالاة تجاه الثورة والحراك الحاصل، وتجاه القمع الدموي بحق الجموع المنتفضة، وظهر موقف آخَر أخطر من اللامبالاة، وهو موقف تأييد هذا النظام، في قمعه دون أي رحمة لكل من رفع صوته الأعزل في وجهه.

من المهم هنا التذكير بأن هاتَين الفئتَين (اللامبالية بالقمع والمؤيدة له)، تَعرفان ضمنًا في غالبيتهما حقيقة تصرفات الأجهزة الأمنية، وطريقة عمل آلة الديكتاتورية الأمنية والعسكرية، حتى وإن تجنَّبتا الاعتراف بذلك علنًا. لكن، ما كان يستوقفني وما يزال، هو كيف يَقبل هؤلاء السكوت عن التعذيب والقتل، فضلًا عن تأييده. إنَّ نظريات كثيرة تُطرح هنا من متلازمة ستوكهولم، إلى تفضيل المصلحة الشخصية على المصلحة العامة، مرورًا بالطائفية أو العنصرية التي تجعل المرء يسكت عن التنكيل بالآخر المختلف أو قتلِه. ومهْما يكن من صوابية هذه النظريات، فيبدو أن واحدة منها فقط قد لا تكفي لشرح ظاهرَتَي اللامبالاة والتأييد.

اليوم وعلى صعيد آخر، ومع مرور ما يَقرُب العام على انطلاق العدوَى بفيروس كوفيد‑19، وتَحوُّل الاهتمام العالمي بطرق الوقاية والتجنب إلى صدارة الاهتمامات – يبدو هذا الفيروس اللعين أشبه ما يكون بنظام ديكتاتوري، نَعرف شرَّه وعدوانيته وظلمه، ونجهل جوانب أخرى مهمة منه.

نحن نَعرف ما علينا أن نفعل لتجنب خطر الفيروس، وإن كانت النتائج ليست مضمونة 100%. وأيضًا مع الوقاية وتجنُّب المحظورات، سمعنا بمن لم يوفرهم الفيروس وأصابهم رغم احتياطاتهم. كذلك هو الأمر مع النظام الديكتاتوري، الذي قد يستهدفك ولو سكَتَّ عن الخطأ وابتعدتَ عن الحديث في السياسة، أو قبِلت كل مظالم الأمر الواقع على يد رجاله. رغم كل ذلك، قد ينالك شرُّه عن طريق الصدفة أو تشابه الأسماء أو تقريرٍ كيدِيّ.

إن مفعول الإصابة بالفيروس كمفعول غضب النظام الديكتاتوري، من العزل إلى التعذيب الجسدي والنفسي. فالفيروس ينهك الجسد ويصيبه بالحمى والتعب والسعال، ويحاول خنق ضحيته لقتلها بأبشع طريقة، وإن لم ينجح تَحصل النجاة مع آثار سيئة قد تطُول قبل أن تزول.

الأمر نفسه مع النظام الديكتاتوري. ملاحَقةٌ، فتحقيقٌ، وتعذيب. يتنافس الألم الجسدي مع القلق والهم النفسي، وقد تَفلت الأمور من عقالها، فيكون من نصيب المُعارِض الموت، والتحول إلى صورة يعلو جبينها رقم توثيقي، حيث يُرمى المعارض في مقبرة جماعية لا يَعلم بها أحد.

بعيدًا عن كل هؤلاء الضعفاء والأكثرين حاجةً والمسحوقين، الذين يُضطرُّون في بلادنا التي لا تقيم للإنسان وزنًا، إلى الخروج كل يوم إلى عملهم رغم المخاطر الصحية وانتشار العدوى، ليُؤَمِّنوا قوت نفسهم وعيالهم – يكاد يكُون الآخرون الذين يخالفون تعليمات الحَجْر والتباعد ولبس الكمامة وغسل اليدين، وتَجنُّب اللقاءات غير الضرورية، صورةً عن أولئك اللامبالين تجاه قمع الديكتاتورية، وعن المؤيدين لها.

إنهم يرَون ويقرأون كل يوم عن أخبار العدوى وانتشارها في البلاد، وعن أعداد المصابين والضحايا. يعلمون أنها تقتل الآخرين بدون ذنب، ويحاول قِسم منهم تكذيب المعلومات الطبية مثلما ينحو مؤيد الديكتاتورية لتبننِّي نظريات المؤامرة دفاعًا عن وحشية الديكتاتورية، أو يصدِّقون المعلومة الطبية مع اختيارهم -واعِين أو غير واعين- تجاهُلها، والعيش معها وكأنها لم تكن، أو كأنه لا خطر عدوى، ولا شبح عَوارض الإصابة، ولا مأساة الموت اختناقًا.

مع التأكيد على قدسية الحرية الشخصية تحت قوانين عادلة، يعود السؤال الأول إلى البال: ما الذي يدفع إنسانًا واعيًا مثقفًا متعلمًا -تُتيح له مواردُه المالية وظروفه متابعةَ العمل من المنزل، وتَجنُّبَ اللقاءات وجلسات المطاعم والمقاهي الترفيهية-، إلى تجاهُل كل أخطار المرض عليه وعلى الآخرين، وإلى الخروج اليومي وممارسة الحياة على نحو طبيعي وكأنَّ شيئًا لم يكن؟! هذه ظاهرة مؤكدة، لا يتطلب إثباتها إلا جولة سريعة على الأقدام في شوارع السهر ومَحالِّ الترفيه والمقاهي، في بيروت أو دمشق أو حلب، أو غيرها.

الحياة قصيرة في اعتبار كثيرين/ات، ومأساة كورونا طال عمرها، ويبدو رغم اكتشاف اللقاح أن النهاية السعيدة ليست قريبة جدًّا. وبعد كل ذلك، هل تكفي الأنانيةُ الشخصية وعدم الاكتراث للآخرين -ومِن ضِمنهم أقرب المقرَّبين-، والرغبةُ في الحفاظ على نمط الحياة وطرق الاستمتاع بها، لتفسير موقف المستهتِر بالفيروس وتبريره، بوصفه صِنْوًا (نظيرًا) لمؤيد النظام الديكتاتوري؟

مقالات الرأي المنشورة في تعددية تعبر عن رأي الكاتب/ة، ولا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة.

إعادة نشر أي مقال مشروطة بذكر مصدره "تعددية"، وإيراد رابط المقال.

جميع الحقوق محفوظة © 2024
تصميم وتطوير Born Interactive