الرجوع

“كورونا” في مواجهة حقوق الإنسان

الثلاثاء

م ٢٠٢٠/٠٦/٠٢ |

هـ ١٤٤١/١٠/١١

فتَحت جائحة كورونا (كوفيد‑19) ملفاتٍ كثيرة، من الملف الصحي بشقَّيه الجسدي والنفسي بطبيعة الحال، إلى الاجتماعي والاقتصادي وغيرها الكثير، ولكنها طالت فيما طالت، مواضيع لم يكن من المتوقع لدى كثيرين/ات أن تطولها، كالحريات والأمن والديمقراطية وحقوق الإنسان.

كان ملاحظًا على صعيد واسع في مرحلة أولى ما بعد صدمة انتشار الفيروس، المديح الذي كِيل للصين، لِنُجوع مفترض لطريقة مواجهتها تفشي العدوى في مدينة “ووهان”. فتصاعدت حالة من الإعجاب الشعبي العالمي بالتجربة الصينية، المغذَّى ربما بِسيل من الأخبار غير الدقيقة والمزيفة Fake news، رافقتها حالة من خيبة الأمل نقديَّة، بسبب أخبار عن فشل النظام الأوروبي في مواجهة انتشار الفيروس، المتمثل بالحالة الإيطالية ثم بالإسبانية بوجه خاص، لتكون مدخلًا إلى ما يشبه نقد الحريات والديمقراطية، ومدح الديكتاتوريات والشمولية، وحَزْمها في مواجهة الخطر، ومن ثم تحقيق الأمان اللازم للمجتمع، وكأن الديمقراطية تعني الضعف، والديكتاتورية تعني القوة.

كلُّ هذا أعاد النقاشَ إلى الإشكاليات التي ما فتئت تتجدد، وإلى الصراعِ والموازنة بين الحرية والأمن، والفرد والجماعة. فإما أن تضحِّي بكلٍّ أو جزء من حرياتك وحقوقك الفردية، في مقابل الأمن الصحي وسلامة الجماعة في مواجهة كوفيد‑19، وإما أن تزهو بحرياتك وفرديتك عاريًا أعزلَ في وجه شراسة الجائحة، وكأن لسان حال صاحب هذا الطرح يسأل: ماذا نفعت ديمقراطيةُ أوروبا وحرياتها وحقوقها، إيطاليا التي سقط فيها عشرات ألوف الضحايا بسبب الفيروس؟

صحيح أن التضامن الأوروبي كان أقل من المتوقع بكثير في بعض الحالات، وأن هناك تخبطًا حدث في طرق مواجهة تمدد انتشار فيروس، ليس من الواضح تمامًا بعد طرق انتشاره، وأعراض الإصابة به، وسبل معالجتها. ربما كان جزء من هذا التخبط، مردُّه إلى تردد أصحاب القرار فيما بين الصحة والاقتصاد. ولكن، يبدو صحيحًا أيضًا أن هناك احتمال تورط للصين، عن طريق الإهمال، والتستر على انتشار الفيروس، وفقدان السيطرة عليه؛ ما حال دون وقف انتشاره، وأوصل الأمور إلى ما هي عليه اليوم. ثم إن هناك تشكيكًا كبيرًا في أرقام المصابين/ات والضحايا الذين صرَّحت بهم الصين، بل إن بعض المساعدات التي أرسلَتها إلى دول غربية، في حركة تبدو استعراضية دعائية، تَبيَّن أنها غير صالحة وليست ذات فائدة.

يُعرف عن الإعلام الصيني أنه موجَّه ومسيطر عليه، ولا يكاد ينشر في العالم إلا الأخبار التي تريد الحكومة الصينية ترويجها، حتى إن بعض الأطباء الذين تناولوا فدْح انتشار الفيروس في بدايته، جرى قمعهم. أما الإعلام في الدول الأوروبية، فأقل ما يمكن أن يقال عنه: إنه أكثر حرية بكثير من نظيره الصيني، ومن الصعب على الحكومات التحكم فيه وتوجيهه، دون أن يتسبب ذلك بفضيحة لها. إنه -في جزء كبير منه على الأقل- إعلام حر، لا يتستر على أخطاء الحكومات وتجاوزاتها.

كل هذا لا يبرر أي عنصرية -بأي درجة كانت- تجاه الصينيين وشعوب شرق آسيا، ولكنه يفترض متابعةً لما حصل، ومعرفة كيف بدأت الأمور، وتحديد مسؤولية الحكومة الصينية، ومحاسبتها على أي تقصير أو تقاعس. فما حدث حتى اليوم، تسبَّب بتغيير حياة أعداد لا حصر لها من البشر نحو الأسوأ، ورفع مستويات الموت والاضطرابات النفسية والفقر والبؤس، إلى حد خطير جدًّا.

إن استغلال ظرف الطوارئ الصحية، وما استتبعه من أوضاع اقتصادية صعبة، للقول بأن الحزم ومركزية القرار السلطوي هما أمران ضروريان في حالات مماثلة، وأن احترام الحريات وحقوق الإنسان لا يصحُّ في حالات مماثلة – ليس إلا مقاربة خاطئة، بل شريرة وخبيثة، تأتي أحيانًا عن جهل وغير قصد، لتسويق أدوات الأنظمة الديكتاتورية، وتسهيل قبولها بحجة الجائحة. فيصير من السهل الإبقاء على سياسات وممارسات مرفوضة، من وجهة نظر حقوقية، حتى بعد انتهاء الجائحة.

مع الإقرار بالصعوبة والتعقيد في اتخاذ القرار الصحيح في حالات مماثلة، وفي الموازنة بين ما هو ضروري للصحة العامة دون المسِّ بحقوق الإنسان أو التعدي على حريات الفرد، والدفاع دون قصد عن الأنظمة الأوروبية وحكوماتها؛ يجب أن تبقى حقوق الإنسان وحرياته الفردية، وتفضيل الديمقراطية -على عِلَّاتها- على الديكتاتوريات والأنظمة الشمولية، أمورًا بعيدة عن تجاذبات تستند إلى مقاربات خبيثة، قد تحوِّل عالمنا -إن نجحت في مآربها- إلى مصير الدول، التي قبِلت شعوبُها -حرة أو مرغمة- مقايضة الحرية بالأمن، ثم ما لبثت أن خسرتهما معًا. فما بُني على التسلط وعدم احترام حقوق الفرد وحرياته، يحمل أسباب فشله وانهياره في داخله. ومن يطلب منك حريتك بحجة توفير الأمن لك لا يستحق أن يؤتمن على أيٍّ منهما.

مقالات الرأي المنشورة في تعددية تعبر عن رأي الكاتب/ة، ولا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة.

إعادة نشر أي مقال مشروطة بذكر مصدره "تعددية"، وإيراد رابط المقال.

جميع الحقوق محفوظة © 2024
تصميم وتطوير Born Interactive