الرجوع

أيار حيّ الشيخ جرَّاح

الإثنين

م ٢٠٢١/٠٦/٠٧ |

هـ ١٤٤٢/١٠/٢٧

حضر أيار/مايو هذا العام، وحضرت معه ذكرى النكبة الفلسطينية -بماضيها وحاضرها الممتد- في غمرة انتفاضة غير مسبوقة، عبَّر فيها الفلسطينيون/ات عن مقاومة العبودية، في سلام مُراوغ جعل الاحتلالَ الذي اتسم -وما يزال- بأقبح أشكال الفصل العنصري، يستمر حتى هذه اللحظة في أكثر مما تقتضيه الشرعية الدولية من استحقاقات. 

لا يعرف الكثير من سكان العالم فلسطين، بيْد أنهم عرَفوا حيَّ الشيخ جرَّاح حق المعرفة. بحثوا عنه في المواقع والفيديوهات، وسألوا عنه الصور وحكايات أهله المرابطين، والمعرَّضين في كل لحظة لعملية اقتلاع كبرى. أيضًا وسائل التواصل الاجتماعي -وعلى الرغم من نواقصها- أتاحت الفرصة لسكان الحي والناشطين/ات فيه، لإيصال أصواتهم إلى جغرافيا واسعة. ثم إنَّ المستوطِن الذي أصبح يلقَّب بـ"يعقوب السارق" دلَّهُم -دون أنْ يَعِي- على ذلك الحي، على إثر مقولته التي غدت شهيرة في كافة مواقع التواصل الاجتماعي والمحطات الإخبارية، حين جادلَته الناشطة الفلسطينية "منى الكرد" -والتي تَسكن واحدًا من بيوت الحي- قائلةً له: "يعقوب، أنت تَعلم أن هذا ليس منزلك". فردَّ يعقوب: "نعم، ولكنك تَعلمين أنكِ -حتى وإن خرجتُ- لن تعودي للمنزل". اِستطردَت "الكرد" حوارها مع المستوطن: "أنتَ تسرق بيتي"، ليردَّ الأخير: "إذا لم أسرقه أنا فسيسرقه غيري!".  

قبل أيار/مايو 2021، كان الشيخ جراح يسكن قلوب الفلسطينيين/ات وحْدهم. أمَّا بعد ذلك، وفي حين شرَع أهله المرابطون في التصدي لبطش الاحتلال وقطعان المستوطنين، متشبِّثين/ات بحقهم في الأرض والوجود والهوية، واجترحوا من كل ذرة رمل فيه ومن كل غصن زيتون معجزة البقاء، وحمَلوا ما فاض عنهم من خيبات، وانتفضوا بكبرياء الأمَّة نارًا وهواءً وأقصى، على امتداد مساحة الزمن والأرض - فقد أصبح الحي أحد أفراد الأسرة الإنسانية، والتفتَت إليه أنظار المجتمَعَين الإقليمي والدولي وعيون المصورين، وأقلام الكُتَّاب التي أنبتت وأزهرت كما لم تفعل من قبل. هكذا، وكأنَّ الحي امتداد لفلسطين في قلوب الناس.

حيُّ الشيخ جراح، شهادة على فترة بالغة الحساسية في تاريخ القضية الفلسطينية، وعنوان فصل جديد لا يضاف إلى فصول النكبة فحسب، بل يعود بالصراع إلى ساحته الأولى. ولن يحتاج الوعي العالمي إلى أكثر مما حدث ويحدث في هذا الحي، لكي يعيد صياغة مفهوم الإرهاب، ولطرح السؤال الأول والأخير من جديد: "مَن المعتدِي؟ ومَن المعتدَى عليه؟". 

لا شك أن ثمة بقية إنسانية عنيدة، تظلُّ بعد أن تمتلئ الأدوار السياسية. وحي الشيخ جراح، ما هو إلا اختبار حقيقي للإنسانية ومصداقية الأولوية في قيم الحرية والمساواة، رغْم الاختلال الهائل في توازنات القوى بين أهالي الحي وقوات الاحتلال.

ومع أنَّ حي الشيخ جراح صار مفتوحًا للاستباحة المطلقة، ومع أن حياة الأهالي وكل ما فيها من بساطة اليومي بكل تفاصيله أضحت مفارقة ومغايرة عما اعتاده الناس، فإنَّ أصواتهم ستبقى شريطًا واضحًا في الذاكرة، ليس لأنها تَملك الحق في الكلام فحسب، بل وفي محاكمة الصمت في العالم بأسره.

 

الكلمات الدليلية

جميع الحقوق محفوظة © 2021
تصميم وتطوير Born Interactive