الرجوع

عن فلسطين وفضيحة المجتمع الدولي

الأربعاء

م ٢٠٢١/٠٥/٢٦ |

هـ ١٤٤٢/١٠/١٥

عظيمٌ جدًّا أن يهتم العالم بقضايا حقوق الإنسان في كل مكان، وأن تُصنع التحالفات ويتعاون الأصدقاء، حتى لا يُمسَّ أيُّ حق من هذه الحقوق المتأصلة والمترسِّخة فينا. لكن هذا العالم ذاته الذي يفتح عيونه بشكل واسع على كل مخالفة صغيرة أو كبيرة، سرعان ما يُغمضها تجاه ما يحدث في فلسطين. والحال هذه، ونتيجة لإغماض عين العالم، تَلبس إسرائيل درعًا واقيًا لها من المحاسبة. هذا الدرع مكَّنها وساعدها على قتل المدنيين، واعتقال الأطفال، وتهجير الساكنين من منازلهم، وقصف البُنَى التحتية والمناطق المأهولة بالسكان، واغتصاب أراض والسيطرة عليها ومصادرتها. هذا الدرع ليس فولاذيًّا، بل دِرع صَرْف النظر عنها، الذي منحها إياه المجتمع الدولي.

إن القضية الفلسطينية هي قضية أخلاقية بالدرجة الأولى. أحدٌ ما يُريد أن يُخرج آخر من منزله عَنْوة، وذلك كلّه يجري أمام "المجتمع الدولي" الذي لا يحرِّك ساكنًا. هذا الأمر ببساطة، لا يحتاج إلى تعريفات وشروحات أكثر وأوسع.

ما حدث في فلسطين على مدى العقود الماضية، لا يتعلق بصراع ديني أو قومي، حسب ما تحاول منظمات أو دول تصويره، بل هو أمر إنساني في الأساس. وقد أشارت القضية الفلسطينية على مدى العقود الماضية، إلى أننا إزاء فضيحة عالمية كبيرة، لا يُمكن للمنصفين والأحرار أن يمرُّوا عليها دون تعليق، أو دون كتابة عنها، أو دون صراخ في وجه من تسبَّب بها ومَن يتستر عليها حتى الآن. هذه الفضيحة، فضيحة الأنظمة "الديمقراطية" والمدافِعة عن حقوق الإنسان، وفضيحة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، اللَّذَيْن أقرّا لوائح وقوانين لم يطبِّقاها لمصلحة المستضعفين.

ما يَحدث بخصوص فلسطين، هو أنها تفضح -في كل مرة- دول الاتحاد الأوروبي، التي تسعى إلى حماية حقوق الإنسان في الدول العربية، لكنها تتجاوز -وبشكل بشع- حقوق الفلسطينيين، وتظل تتعامل معهم بوصفهم أرقامًا. هذا مؤلم جدًّا.

في العقد الأخير، كثفت إسرائيل -بمساعدة دول أوروبية والولايات المتحدة وبعض الدول العربية- نشاطاتها، لـ"تحسين سمعتها" أمام المجتمع العربي. وفِعلًا، نجحت في ذلك قبل أسبوعين، لكنها عادت إلى نقطة الصفر. عودة إسرائيل إلى نقطة الصفر، ليست بالصواريخ التي صدّتها القبة الحديدية، بل بحجم التضامن الكبير، الذي خرج من إطار البيانات والإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي إلى تظاهرات ونشاطات، في أكثر الدول الداعمة لها والساندة لسلوكياتها. هذه خسارة كبيرة بالنسبة إليها.

اهتمت إسرائيل كثيرًا بالمجتمع العربي، وتمكَّنت من تحسين صورتها في مساحات جغرافية وشعبية عدة، وهذا بالنسبة إليها أهم من أي اهتمام آخر قد يتعلق بمساءلة ربما تتعرض لها، أو بمحاسبة أو ضغط دولي؛ ذلك أنها مطمئنة إلى حد بعيد، بأن الإفلات من العقاب مصيرها. ولِكونها فلتَت وتفلت، وربما ستفلت من المحاسبة والعقاب من جديد، جعلت إسرائيلُ الفلسطينيين في آخر قائمة اهتماماتها، أو ربما شطبتهم بعدما أوجدت خلافات وتقسيمات جغرافية وسياسية، حتى ديموغرافية، تتيح لها فرصة التحرك أكثر، رافضةً حلَّ الدولتَين!

إن قضية حيِّ الشيخ جراح وتهجير أهله، إضافةً إلى قضايا أخرى، تؤكد وبشكل قاطع أن إسرائيل لا تخشى أي عقوبة. ولذلك، هي تستمر في التهجير وتَوسعة الاستيطان وتهجير الفلسطينيين من ديارهم!

لا يُمكن القول: إن "إسرائيل دولة يهودية"، مَهْما حاولَت تسويق ذلك. ببساطة، هي منظومة سياسية وعسكرية واقتصادية راديكالية، تتخذ من الديانة اليهودية سبيلًا نحو ترسيخ وجودها، وتحقيق قراءات ونبوءات وأمنيات لجماعة ما.

إن الحرب ليست بين المسلمين واليهود، أو بين العرب واليهود، بل هي بين مُحتَلٍّ ومُحتَلّ، بين صاحب أرض ومغتصب، بصرف النظر عن الجماعات الفلسطينية المسلحة التي تُقاتل الجيش الإسرائيلي، وعن مدى شرعيتها ومصداقيتها أو استغلالها للقضية من عدمه.

إن قضيّة فلسطين -وبمعزل عن جانبها الإنساني المؤلم- بصفتها قضية سياسية، وبعد ضغط المجتمع الدولي للتوصل إلى حل عادل يضمن للفلسطينيين دولتهم، وللمهجرين من مواطنيها حق العودة، تبقى مثارًا للمشكلات والأزمات في الشرق الأوسط.

الخذلان الإنساني الكبير للفلسطينيين، مؤشر يدل على انحدار أخلاقي كبير. فلا يحتاج الفلسطينيون إلى دعم أو مقاتلين نرسلهم إلى إسرائيل، بل كل ما تحتاج إليه فلسطين، هو ألا نكون عونًا عليها، ولا عونًا لـ"دولة" تُريد أن توجَد على حساب أخرى.

على المستوى الشخصي، أنا مع الشعب الفلسطيني وما يتخذه من قرارات تُعيد له كرامته. القضية الفلسطينية أخلاقية إنسانية، ووجود من يستغلها داخل فلسطين وخارجها، لا يعني أنها لا تستحق التضامن.

جميع الحقوق محفوظة © 2021
تصميم وتطوير Born Interactive