الرجوع

يا هشام: سينفد رصاصهم وتبقى أنت

الثلاثاء

م ٢٠٢٠/٠٧/١٤ |

هـ ١٤٤١/١١/٢٤

لم تكن هناك فرصة لخروج الرصاصة من أي سلاح، ووصولها إلى رأس أي إنسان أو صدره، لو لم يكن هناك يقين بضرورة قتله، وإلا ما توجهت الرصاصة مباشرة إلى أحدٍ ما! إنّ الرصاص يؤدي وظيفة الحماية أو الاعتداء، وهو مُسيَّر لا مُخيَّر. وأحيانًا يكون تأثير هذه الرصاصة بقوة صاروخ، أو قنبلة نووية. فمثلًا: في حادثة مقتل الباحث والخبير الأمني “هشام الهاشمي”، في السادس من الشهر الحالي، قتلونا جميعًا، وإن كانت الرصاصات في جسده فقط.

في بلد مثل العراق، فيه السلاح تَجاوَز مرحلة الانفلات، وفيه كمٌّ هائل من وسائل الإعلام والمؤسسات، التي تبث خطابات كراهية وتحريض – مِن المتوقَّع أن يكون فيه من خبَّأ لكل صوت حُرّ رصاصة على الأقل، سيستخدمها في اللحظة التي يراها مناسبة، ولا يهمه إن أردنا العيش زمنًا أكثر مما حدده لنا. فمنذ الأول من تشرين الأول/أكتوبر 2019، وُظف الرصاص بشكل مُمنهَج لقتل الأحرار/الحُرَّات والمعبِّرين/ات عن آرائهم بوضوح، وصارت العملية شبه ممنهجة لقتل من يُفكر بصوت عال، لأجل الوصول إلى دولةِ مُواطَنة يتمتع فيها الجميع بذات الحقوق، دولةٍ تتحقق فيها العدالة والمساواة.

لا يُمكن أن نتوقع وسط هذا الخراب الكبير، واستقواء قِوى اللادولة على الدولة، أن يُقابَل بالورود أصحابُ الرأي المختلف، أو الصحفيون الذين يتحدثون بِـ”خطوط حُمْر”. ويبدو أن السلاح الكاتم للحريات -لا للصوت-، سيكون هو أداة أساسية ودائمة. وعمليات القتل التي تطُول صحفيين/ات ونشطاء وباحثين، تَدخل برأيي ضمن إطار الاغتيال السياسي. ومهْما تعددت الأحزاب والتيارات السياسية، فإنَّ الخطر الحقيقي على من لا يُريد دولة مُحترمة، يبقى من قِبَل الذين يتحدثون بالفساد والخراب، ويكشفون ما يُراد له أن يُطمس. وأمَّا نحن الذين نُتهم بـ”العَمالة”، فليس لنا أي سلاح غير أصواتنا، أو ما نكتبه في مِنصَّاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي. فلماذا تُقابلوننا بالسلاح؟ وهل تؤكدون بذلك أن حرية التعبير، أهم وأقوى من كل ما تمتلكونه من مال وسلاح ونفوذ؟

واهِمٌ من يعتقد أن الصوت يموت بالرصاص؛ إذ الصوت ليس جسدًا، أو مادة صُلبة تموت أو تُهشم برصاصة. أبدًا، الصوت فكرة، والأفكار لا تموت. والأصوات الحُرّة تُواجِه الرصاص بأفكارها ومبادئها، ويواجهها القتلة بالرصاص. هُم ملثَّمون يخفون هوياتهم، ونحن مكشوفون واضحون، لا نكتب من خلف زجاج قاتم.

اِغتالوك يا هشام، وقبْلك كامل شياع، وأحمد عبد الصمد، وغيركم. اغتالوكم لكنهم لم يقتلوكم، لأنكم أفكار. فماتت رصاصاتهم في أجسادكم، وأحيَيتم أجيالًا على طريق مُعبَّد بالألغام والموت، ومُغطًّى بجثث مجهولة الهويات وأخرى غير مجهولة، لكنه سيوصلنا حيث الدولة التي نَحلم بها. لقد كان الهاشمي الباحث والمؤرخ فكرة، وكان ملهِمًا لكثير من الشباب، ومُحفزًا على نشاطات كثيرة. لم يكن مجرد مُذِيع يَخرج على الشاشة، لِيقول ما سمعه أو تراءى له فقط، ثم يذهب. أبدًا، كان مَنْجم معلومات عن الجماعات الإرهابية، وعارفًا بخباياها. فاستفادت منه الدولة، لكنها لم تَحْمِه. ذات مرة، كَتب هشام على الفيس بوك: “حين يصل أحدنا إلى الأربعين من عمره، ويلتفت ليتأمل حياته، لن يسعده كم كَنَز من المال أو ما ملَأ السيرة الذاتية بالمناصب، بل يسعده أمر واحد: لو أنه عاش حياته بشجاعة كما يجب”.

لم يكن هشام فقط هو المستهدَف، ولا كامل شياع، ولا أحمد عبد الصمد. المستهدَفون نحن جميعًا، والأصوات الحُرة العالية هي المستهدَفة، وهو الذي يقول “لا” في زمن يُراد فيه للجميع أن يقولوا “نعم”، أو يَسكت عما يراه، حتى وإن كان ضد مصلحة الناس والدولة. كان الهاشمي من أولئك الذين قالوا: “لا” بشكل مستمر، وقالوا “نعم” عندما كان يجب أن تُقال في دعم بناء الدولة، ودعم القوات الأمنية في الحرب ضد الإرهاب. كان يوصي أصدقاءه بضرورة ألَّا يُزعجوا السلطة ومن معها بانتقادهم، خوفًا على حياتهم. كان عقلًا حقيقيًّا ومَركز معلومات متنقل. استفادت منه الدولة كثيرًا، والأحزاب السياسية أيضًا. كان دوره في الحرب ضد “داعش” كبيرًا، إلى حد قول مسؤول أمنيّ لي شخصيًّا: “هشام صاحِب فضل كبير على الدولة”.

أتذكَّر يا هشام عندما كتبتَ لي مع بدء احتجاجات العراق عام 2019: “اهتم بنفسك. أهمُّ شيء هو الأسرة. الأسرة هي الوطن يا مصطفى. تذكَّر ذلك”. تُوصينا بالحفاظ على أنفسنا، وتُوصينا أن نهتم بأُسَرنا، لكنك يا هشام خذلْتَنا وتركْتَنا. لم تُوصنا يا هشام ماذا نعمل بعدك، ومن سيملأ مكانك الذي -وحَقِّك- لن يُملَأ.

لم تمت يا هشام. أنت فكرة، والأفكار لا تموت.

يا هشام، سيَنفَد رصاصُهم وتبقى أنت.
جميع الحقوق محفوظة © 2022
تصميم وتطوير Born Interactive