الرجوع

كيف يقتل الإنسان مرتين: بالسلاح وبالإعلام

الثلاثاء

م ٢٠٢٥/٠٨/٠٥ |

هـ ١٤٤٧/٠٢/١١

نقَل التاريخُ الكثيرَ من الانتهاكات، التي طاولت حقوق الإنسان على مر الزمن. بعضها وصلَنا عبر فنون الرسم أو النحت أو الكتابة بطرق بدائية، أو حتى عبر الأساطير والروايات. في بداية القرن العشرين، كانت الانتهاكات والمجازر تُعْرَف بعد أيام وأسابيع أو حتى أشهر من ارتكابها؛ ما يجعل التدخل لإيقافها من قبل قوًى عالمية مستحيلًا. ما لم نتوقعه ولا نتمناه أن تُرتكب المجازر والانتهاكات لكل مبادئ حقوق الإنسان على مرأى العالَم ومسمعه، في حين تنقل الكاميرات الأحداث ووقائع الموت المجَّاني، ولا نجد غير التنديد أو الاستنكار، وأحيانا كثيرة نلاحظ التقبل والتبرير وتحوير الحقائق. اليوم، تُطرَح أسئلة كثيرة عن دور الإعلام في غياب حقيقي لتطبيق أدبيات نقل الحقيقة المجردة وأخلاقها، بدون تحيُّز يجعل من الجاني مَجنيًّا عليه، ويُحمِّل المقتول مسؤولية قتله. 

في الحالات المثالية، يقع على الإعلام دور الرقيب، ويجب أن يَعمل الإعلامي على البحث عن الانتهاكات، وإظهارها للعلن والإبلاغ عنها، وأنْ يُقدِّم الأدلة للمحاسبة، وأن يقوم بنشر ثقافة حقوق الإنسان. أيضًا يجب على وسائل الإعلام تَبنِّي سياسة تعزيز مبادئ حقوق الإنسان، ومكافحة العنصرية، والمساهمة في السِّلم الأهلي. لكن ما يجري على الأرض اليوم، يثبت أن الكثير من المؤسسات الإعلامية تخلَّت عن مسؤولياتها، وأصبحت أبواقًا للتحريض الطائفي، تَحجب المعلومات وتُحوِّرها إرضاءً للجهات التابعة لها؛ ما يضع هذه المؤسسات -وبعضُها كان يتصف بالواقعية والمصداقية- في مَصافِّ أعداء الحقيقة ومبادئ حقوق الإنسان. 

لقد أثبتت الأحداث الأخيرة في العالم العربي غيابَ إعلام عالمي محايد أو موضوعي كفاية أو مجرد من التبعية، وبات الأمل معقودًا على الإعلام التابع لمنظمات المجتمع المدني، التي تتعرض هي الأخرى لضغوط مستمرة فيما يتعلق بالتمويل وشروطه. لكن مع ذلك، أثبت ذلك الإعلام جدارته، واستحق الثقة من فئة عريضة من الشعوب العربية. فإنْ كان الإعلام الشعبوي يحظى بأغلبية المشاهَدة، فإنَّ الإعلام المستقل ما زال يسعى لنقل الحقيقة، مُتَّخِذًا من مبادئ حقوق الإنسان المعلَنة في العهد العالمي لحقوق الإنسان، مَرجِعًا وهدفًا. 

ساهمَت وسائل التواصل الاجتماعي في فضح المؤسسات الإعلامية الرسمية، التي ما زالت تعيش في عالَم ما قبل طفرة الإنترنت. فلا يَعني عدمُ ذكر الانتهاكات أنها لن تَنتشر أو تُعرَف، في زمن أصبح فيه كل من يمتلك هاتفًا جوَّالًا عيْنًا ترى وتنقل عبر الكاميرا ما يحدث أمامها. وهنا ظهرت إشكالية جديدة، حيث الناقل للأحداث قد يكُون هو نفسه مؤدلَجًا، ينقل ما يريد، ويحجب ما يريد، في غياب مبادئ جامعة لم يَدرسها المواطن العادي، ولم يتشبع بأفكارها. وفي الواقع، قد أخفق في حملها الكثيرُ من الإعلاميين الحقيقيِّين، الذين درسوا أسس الإعلام في الجامعات ومبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

لا شك أن الأمر ليس سهلًا. فالصحفي -حتى وإن كان يعمل في بيئة مستقلة- هو إنسان أولًا، وهو ابن البيئة التي ينقل أحداثها، ومن الصعب أن نطلب منه التجرد من تبعيَّته لطائفة أو فئةٍ ما في نقل الحقيقة، خصوصًا وأنه قد يكون ضحية سابقة لاقتتال طائفي أو أهلي.

يتعرض الصحفي أو الحقوقي اليوم لحملات تحريض من جماعته أو طائفته، إذا أراد أن يكون عادلًا محايدًا في نقل الحقيقة، في أجواء من الشحن الطائفي. وأيضًا الكاتب أو المفكر الذي يعبِّر عن رأيه بتغريدة منصفة، يتعرَّض لِلشتم والحظر من أصدقائه، وبعضهم كان يتغنَّى بالحرية قبل أن يحصل عليها، وينكرها على غيره. في هذه الأجواء يظل الصمودُ شجاعةً، والاعترافُ بالانتهاكات واجبًا إنسانيًّا ووطنيًّا، إذا ما أراد الفرد (إعلاميًّا كان أو مُواطِنًا عاديًّا) أن تعيش الأجيال القادمة في وطن حُرٍّ، يَخرج من دوامة العنف والظلم إلى فضاء السِّلم، الذي يُبنَى على العدل، وليس على قمع أغلبية فئوية أو طائفية لأقليات مقهورة، تَشعر بالغبن وتنتظر ساعة الانتقام، حتى وإن كانت عبر الاستقواء بالخارج. 

لكي نصل إلى حالة السلام الأهلي، يجب أن نتشبع بمبادئ حرية الدين والمعتقد، ويجب على الإعلام أن يتبنَّى هذه الأسس. عندها فقط، نستطيع الحكم على الإنسان بشكل مجرد من الطائفية والأيديولوجيا. فالطفل السني أو الشيعي أو العلوي يصبح –في نظر الصحفي والمُتلقِّي- طفلًا، عندما يتشارك مع أبناء بلده فقط في المواطنة والحقوق، ويُعَدُّ قتْلُه جريمة لا يمكن لعاقل تبريرها، ويقتضي استنفارًا للمحاكمة والمحاسبة. فهكذا تُقام الأوطان، وتَتعمَّر وتزدهر.

مقالات الرأي المنشورة في تعددية تعبر عن رأي الكاتب/ة، ولا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة.

إعادة نشر أي مقال مشروطة بذكر مصدره "تعددية"، وإيراد رابط المقال.

جميع الحقوق محفوظة © 2026
تصميم وتطوير Born Interactive
معلومات ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين التنقل في الموقع وتحليل استخدام الموقع والمساعدة في جهود التسويق. تحقق من سياسة ملفات تعريف الارتباط الخاصة بنا للحصول على التفاصيل.

إعدادات الخصوصية

حدد ملفات تعريف الارتباط التي تريد السماح بها. يمكنك تغيير هذه الإعدادات في أي وقت. ومع ذلك، يمكن أن يؤدي هذا إلى عدم توفر بعض الوظائف. للحصول على معلومات حول حذف ملفات تعريف الارتباط، يرجى الرجوع إلى وظيفة المساعدة في المتصفح الخاص بك.
تعرف على المزيد حول ملفات تعريف الارتباط التي نستخدمها.

ضروري
وظائف
تحليلات
تسويق

هذا الموقع سوف:

  • يتذكر إعداد إذن ملفات تعريف الارتباط
  • يسمح بملفات تعريف الارتباط للجلسة
  • يجمع المعلومات التي تدخلها في نماذج الاتصال، والنشرة الإخبارية والنماذج الأخرى عبر جميع الصفحات
  • يساعد على منع هجمات التزوير (CSRF) عبر الموقع
  • يحافظ على حالة جلسة الزائر عبر طلبات الصفحة
  • تذكر إعدادات التخصيص
  • يتذكر الإعدادات المحددة
  • يتتبع الصفحات التي قمت بزيارتها والتفاعل الذي اتخذته
  • يتتبع حول موقعك ومنطقتك على أساس رقم IP الخاص بك
  • يتتبع الوقت الذي تقضيه في كل صفحة
  • يزيد جودة بيانات وظائف الإحصاء
  • يستخدم المعلومات للإعلان المخصص مع أطراف ثالثة
  • مح لك بالاتصال بالمواقع الاجتماعية
  • يحدد الجهاز الذي تستخدمه
  • يجمع معلومات التعريف الشخصية مثل الاسم والموقع

هذا الموقع الإلكتروني لن:

  • يتذكر إعداد إذن ملفات تعريف الارتباط
  • يسمح بملفات تعريف الارتباط للجلسة
  • يجمع المعلومات التي تدخلها في نماذج الاتصال، والنشرة الإخبارية والنماذج الأخرى عبر جميع الصفحات
  • يساعد على منع هجمات التزوير (CSRF) عبر الموقع
  • يحافظ على حالة جلسة الزائر عبر طلبات الصفحة
  • يتذكر إعدادات التخصيص
  • يتذكر الإعدادات المحددة
  • يتتبع الصفحات التي قمت بزيارتها والتفاعل الذي اتخذته
  • يتتبع حول موقعك ومنطقتك على أساس رقم IP الخاص بك
  • يتتبع الوقت الذي تقضيه في كل صفحة
  • يزيد جودة بيانات وظائف الإحصاء
  • يستخدم المعلومات للإعلان المخصص مع أطراف ثالثة
  • يسمح لك بالاتصال بالمواقع الاجتماعية
  • يحدد الجهاز الذي تستخدمه
  • يجمع معلومات التعريف الشخصية مثل الاسم والموقع

حفظ وإغلاق